«لم يكنّ مجرد نجمات… كنّ نساءً صنعن من الألم فنًا، ومن الظلام ضوءًا، ومن العزيمة أسطورة.»
— عن نجمات الزمن الجميل
مادج إيفانز الفتاة الطيبة التي علّمت هوليوود أن الرقيّ يمكن أن يكون خلودً االنشأة والأصول
مارجريتا إيفانز في الأول من يوليو عام 1909 في الجانب الغربي من مانهاتن بمدينة نيويورك. لم تكن هذه الطفلة قد بلغت عامها الثاني بعد حين وُضعت على قطعة ضخمة من صابون «فيري»، تحمل بين يديها باقة صغيرة من البنفسج، وتحت الصورة جملة إعلانية لطيفة تسأل: «هل لديك جنية صغيرة في بيتك؟». كان اسمها «مادج الصغيرة» يلمع في الإعلانات، حتى إن إحدى شركات القبعات للأطفال أطلقت خطًا يحمل اسمها. هكذا بدأت حكاية وجه، قبل أن تعرف صاحبته أنها ستصبح ممثلة.
البدايات والمسيرة الفنية
في الخامسة من عمرها، اختارها كشّافو المواهب للظهور في فيلم «علامة الصليب» (The Sign of the Cross) مع ويليام فارنوم عام 1914. وفي عامها السادس، كانت قد شاركت في عشرين فيلمًا صامتًا، صُوّرت جميعها في استوديوهات فورت لي بولاية نيوجيرسي. وفي الثامنة، وقفت على خشبة برودواي لأول مرة في مسرحية «بيتر إيبيتسون» مع جون وليونيل باريمور. هذا الطفل الذي وُلد على خشبات التصوير والمسرح لم يكد يعرف طفولة بالمعنى المألوف، بل عرف كاميرات، وأضواحًا، وملابسَ مسرحية، ووجوهًا تتبدّل كل يوم.ثم جاءت مرحلة المراهقة، فانقطعت عن الشاشة ست سنوات كاملة، عادت خلالها إلى المدرسة والدراسة، ثم عادت إلى هوليوود في السادسة عشرة بدور في فيلم «ابن الهند» (Son of India) مع رامون نوفارو. وفي عام 1931، وقّعت عقدها مع استوديوهات مترو غولدوين ماير (MGM)، ودخلت مرحلة جديدة من حياتها.خلال عقد الثلاثينيات، صارت مادج إيفانز وجهًا مألوفًا في أفلام الدرجة الأولى. وقفت أمام ليونيل باريمور في «عشاء في الثامنة» (Dinner at Eight) عام 1933 بدور ابنته، وأمام جيمس كاغني في «عمدة الجحيم» (The Mayor of Hell) في العام نفسه، وأمام سبنسر تريسي في «المرائي» (The Show-Off) عام 1934، وشاركت في «مغامرة ديفيد كوبرفيلد» (David Copperfield) عام 1935 بدور أغنيس الوفية. وفي عام 1936، وقفت أمام بينغ كروسبي في «بنسات من السماء» (Pennies from Heaven). كانت «الفتاة الطيبة الدائمة» في أفلام الثلاثينيات، كما وصفتها النيويورك تايمز: «تجسّد المرأة الأمريكية النظيفة والمحترمة».وعلى خشبة برودواي، لم تغب طويلًا. ظهرت في «ديزي مايم» (1926)، و«أفضل منا» (1928)، و«فيليب يتقدم» (1931)، و«ها قد جاء المهرجون» (1938)، و«الوطنيون» (1943).الملامح الفنية ومكانتهالم تكن مادج إيفانز نجمة استعراضية، ولم تكن ساحرة إغراء، ولم تكن فاتنة صارخة. كانت شيئًا آخر: وجهًا يبعث على الطمأنينة، وحضورًا لا يصرخ، وجمالًا لا يخيف. كانت الممثلة التي تختارها الاستوديوهات لتكون زوجة البطل، وخطيبته، ورفيقته الوفية. وكانت تفعل ذلك ببراعة هادئة، دون أن تسرق الضوء، لكن دون أن يمرّ حضورها بلا أثر.في زمن كانت فيه هوليوود تُقدّس «الفتاة الذهبية» و«القنبلة الشقراء» و«الفاتنة»، كانت مادج إيفانز النموذج الآخر: امرأة يمكن أن تكون جميلة دون أن تكون خطرة، وأن تكون حاضرة دون أن تكون صاخبة. وقد منحتها هوليوود نجمة على ممشى المشاهير عام 1960 تقديرًا لمسيرتها.الحياة الشخصية والاعتزالفي عام 1939، وبينما كانت تؤدي دورها في مسرحية «لحظة خاطفة» على مسرح أوغونكويت، تزوّجت من الكاتب المسرحي سيدني كينغسلي، الفائز بجائزة بوليتزر عن مسرحيته «رجال في الأبيض» عام 1934. كان كينغسلي أحد أبرز كتاب المسرح الأمريكي في القرن العشرين، وقد وصف زواجهما بأنه شراكة في المسرح بكل معنى الكلمة.وحين تزوّجت، تركت هوليوود. لم يكن قرارًا مفاجئًا، بل كان اختيارًا واعيًا لامرأة عرفت أن حياتها الخاصة تستحق أن تُعاش كاملة. انتقلت مع زوجها إلى منزل يعود إلى القرن الثامن عشر في أوكلاند بولاية نيوجيرسي، وعاشت فيه اثنين وأربعين عامًا. لم تكن قد تجاوزت الثلاثين بعد.لم تغب تمامًا عن الفن. كانت تساعد كينغسلي في أبحاثه وكتاباته، وكان وصفها «شريكته في المسرح بكل معنى الكلمة» وصفًا لم يكن مجاملة، بل حقيقة عاشها الاثنان حتى النهاية.الإرث والخاتمفي السادس والعشرين من أبريل عام 1981، رحلت مادج إيفانز عن عالمنا في منزلها في أوكلاند بولاية نيوجيرسي، بعد صراع مع السرطان، عن أحدَ وسبعين عامًا. كان سيدني كينغسلي إلى جوارها، كما كان طوال اثنين وأربعين عامًا. عاشت سبعين سنة، أكثر من خمسين منها كانت بعيدة عن الأضواء، لكنها لم تكن بعيدة عن الحياة.تركت خلفها أكثر من ثمانين فيلمًا، وست مسرحيات على برودواي، ونجمة على ممشى المشاهير، وذكرى امرأة لم تحتج يومًا إلى صراخ لتُسمع، ولا إلى بريق خادع لتُذكر. كانت «الفتاة الطيبة الدائمة»، لكنها في الحقيقة كانت شيئًا أعمق: امرأة عرفت أن الطيبة ليست ضعفًا، وأن الرقيّ ليس مللًا، وأن الحياة خارج الشاشة يمكن أن تكون أجمل من أي دور.رحلت مادج إيفانز بهدوء، كما عاشت. وربما هذا هو الدرس الذي تركته: أن أعظم الأدوار ليست تلك التي نؤديها أمام الكاميرا، بل تلك التي نختارها لأنفسنا حين تنطفئ الأضواء..
اعداد سمر محفوض
#خاص مجلة ايليت فوتو ارت


