حين كانت هوليوود تصنع الأساطير… وكانت النساء يصنعن هوليوود..جوان كولينز: ملكة الجمال التي صنعت من الشر مجداً.

«لم يكنّ مجرد نجمات… كنّ نساءً صنعن من الألم فنًا، ومن الظلام ضوءًا، ومن العزيمة أسطورة.»

— عن نجمات الزمن الجميل

جوان كولينز: ملكة الجمال التي صنعت من الشر مجداً في الثالث والعشرين من مايو عام 1933، وفي حي بادينغتون بلندن، وُلدت طفلة حملت اسم جوان هينرييتا كولينز، لوالدها جو كولينز، وكيل المواهب الشهير الذي كان يدير أعمال نجوم كبار مثل شيرلي باسي والبيتلز وتوم جونز، ووالدتها إلسا بيسانت، معلمة الرقص . لم تكن الصدفة وحدها من قادتها إلى الفن، بل كان المنزل نفسه مسرحاً صغيراً؛ إذ كانت شقيقتها الصغرى جاكي كولينز ستصبح واحدة من أشهر روائيات العالم، بينما خطت جوان طريقها إلى خشبة المسرح وهي في التاسعة من عمرها، حين وقفت على مسرح “آرتس ثيتر” في لندن لتؤدي دوراً في مسرحية هنريك إبسن “بيت الدمية” عام 1942 .درست جوان في الأكاديمية الملكية للفنون المسرحية (RADA)، ولم يمضِ أقل من عام حتى وقعت عقداً احتكارياً مع منظمة ج. آرثر رانك البريطانية . كانت البداية بأدوار صغيرة في أفلام مثل “Lady Godiva Rides Again” عام 1951، و”Judgment Deferred” عام 1952، قبل أن تأتي نقطة التحول حين جسدت شخصية نورما هارت، الفتاة الجانحة في فيلم “I Believe in You” عام 1952، فصنعت لنفسها لقب “الفتاة السيئة” الجديدة في السينما البريطانية .كان اختراقها الحقيقي عام 1955 حين اختارها المخرج هوارد هوكس لتجسيد دور الأميرة نيلفر في الملحمة التاريخية “أرض الفراعنة”، وهو الدور الذي لم يكن مجرد بطولة عادية، بل أسطورة سينمائية غامضة ارتبطت بأحداث غريبة ووفيات أثناء التصوير، ما جعل الفيلم يتحول إلى عمل طائفي رغم فشله التجاري آنذاك . أثار أداؤها إعجاب مدير الاستوديو داريل زانوك، فوقعها عقداً لسبع سنوات مع توينتيث سينتشري فوكس، لتنتقل إلى هوليوود .توالت أعمالها الأمريكية: شاركت بيت ديفيس في “The Virgin Queen” عام 1955، وجسدت شخصية إيفلين نسبيت في “The Girl in the Red Velvet Swing”، وهو الدور الذي كان مكتوباً أصلاً لمارلين مونرو . وفي عام 1956، لعبت دور كريستال في “The Opposite Sex” بعد استعارتها لاستوديو مترو غولدوين ماير، ثم شاركت جيمس ماسون وجوان فونتين في “Island in the Sun” عام 1957، ولعبت دوراً رئيسياً أمام جريجوري بيك في فيلم الغرب “The Bravados” عام 1958 .لكن الثمن الذي دفعته كان باهظاً. في عام 1960، كانت واحدة من أكبر نجمات توينتيث سينتشري فوكس، لكنها طالبت بفسخ عقدها بعد أن رفض الاستوديو ترشيحها لدور البطولة في “كليوباترا”، مفضلاً إليزابيث تايلور عليها . شعرت كولينز بالإهانة، فاختارت الحرية على الأمان، لكنها دفعت ثمن ذلك سنوات من الأدوار الثانوية والظهور المتقطع في الستينيات.في السبعينيات، عادت إلى بريطانيا، وقدمت أدواراً جريئة في أفلام مثل “The Stud” عام 1978 و”The Bitch” عام 1979، محققة نجاحاً في أوروبا لكنها لم تكن قد وجدت بعد الدور الذي سيعيدها إلى القمة .ثم جاء عام 1981، وجاء “داينستي”. جسدت ألكسيس كارينغتون كولبي، الزوجة السابقة الماكرة المنتقمة، في الموسم الثاني، فحولت المسلسل إلى ظاهرة عالمية وباتت واحدة من أشهر الشريرات في تاريخ التلفزيون . فازت بجائزة غولدن غلوب لأفضل ممثلة في مسلسل درامي عام 1983، وحصلت على نجمة في ممشى المشاهير في هوليوود في العام نفسه . كان دور ألكسيس تتويجاً لمسيرتها، لكنه أيضاً حبسها في صورة “المرأة الجميلة الخطرة” لسنوات طويلة.لم تتوقف جوان كولينز عند حدود التمثيل. كتبت أكثر من عشرين كتاباً بين الروايات والسير الذاتية والكتب عن الجمال، بيعت منها أكثر من خمسين مليون نسخة حول العالم وترجمت إلى ثلاثين لغة . من روايتها الأولى “Prime Time” عام 1988، إلى سيرتها الصادمة “Past Imperfect” عام 1978 التي كشفت فيها تفاصيل حياتها العاطفية، أثبتت أن قلمها لا يقل جرأة عن أدائها في عام 1997، منحتها الملكة إليزابيث الثانية رتبة ضابط الإمبراطورية البريطانية (OBE) لخدماتها للفنون، وفي عام 2015 رُقّيت إلى رتبة قائدة الإمبراطورية البريطانية (DBE) لخدماتها الخيرية، لتصبح “السيدة جوان كولينز” .وفي عام 2026، وهي في الثانية والتسعين من عمرها، ظهرت في العرض الأول لفيلمها “الدوقة” ضمن فعاليات مهرجان كان السينمائي، حيث جسدت شخصية واليس سيمبسون، دوقة وندسور، في سنواتها الأخيرة . تقول كولينز إنها أمضت ثلاثين عاماً تدرس تفاصيل حياة واليس، وعندما زارت منزلها في فرنسا، فتحت خزائن ملابسها ورأت تمثالاً لها وهي ترتدي شانيل . كانت مفارقة جميلة: امرأة صنعت اسمها من أداء الشر، تجسد امرأة أخرى أثار سحرها الجدل.وهكذا، عاشت جوان كولينز أكثر من ثمانية عقود في الفن، وما تزال زهرة أوركيد بيضاء تخطف الأنظار على السجادة الحمراء . لم تكن يوماً “النجمة الأخلاقية” التي تنشدها الاستوديوهات، لكنها كانت شيئاً أخطر وأجمل: امرأة صنعت من الجمال سلاحاً، ومن الشر مجداً، ومن العمر نفسه حكاية لا تنتهي.

#اعداد سمر محفوض

#خاص مجلة ايليت فوتو ارت .

أخر المقالات

منكم وإليكم