حول مسلسل “الحصرم الشامي” قراءات وتقيم للعمل الدرامي.

يحظى مسلسل “الحصرم الشامي” بسمعةٍ جيدة تجعل كثيرًا من الناس يضعونه بين المسلسلات التاريخية البارزة، مع أنه شابَ مادته كثير من القصور في تقديم صورة شاملة لزمنه الحكائي، وظهرت في حبكته السردية ثغرات تبدأ في سير الأحداث ولا تنتهي بضعف الشخصيات.وفي هذا غرابة كبيرة لكون المسلسل يستند إلى كتاب استثنائي وفريد من نوعه، هو “حوادث دمشق اليومية” للحلاق البديري، الذي يقدم مادة اجتماعية وتاريخية هائلة من دمشق القرن الثامن عشر، لكنّ الكاتب الراحل فؤاد حميرة وضع فوق تلك الخلفية خطوطًا درامية خالية من التوازن، بعضها بعيد عن المنطق لكثرة الحلول الساذجة، وتكرار أحداث وأفكار، والاستعجال في تطور بعض القصص، ما جعل هذا العمل التلفزيوني، ذا الأجزاء الثلاثة، غير قادر على التعبير عن عصر اجتمع فيه على الفتك بدمشق الزلزالُ والطاعون، والصراع بين آغاوات دمشق، والحرب الأهلية بين العسكر المحلي والوافد إلى المدينة، ودخول الجيش المصري إلى بلاد الشام.شخصية سليم (قصي خولي)، مثلًا، تحدث لها القصة نفسها مرةً تلو المرة، ودائمًا تكون ردة الفعل هي ذاتها، مع أنها شخصية تنتقل بين الظروف والأحوال والطبقات، ففي المرة الأولى يكون مواطنًا عاديًّا، وفي الثانية يكون جنديًّا، وفي الثالثة يكون من أغنى الأغنياء ويشرف على المقاومة، لكنه خلال هذه التحولات كلها يتصرف بالطريقة نفسها، فحين تتعرّض كل من زوجته ثم حبيبته ثم عشيقته للاغتصاب من البدو الذين يغزون المدينة يترك المرأة لعارها. كل شيء يتغير في عالم هذه الشخصية إلا موقفه الثابت من احتقار شريكته لحظة انتهاكها.شخصية الشيخ الجباوي الذي لا يسميه المسلسل بالتحديد، مكتفيًا باسم العائلة، هو إبراهيم الجباوي السعدي في كتاب البديري، شيخ الزاوية السعدية في حي الميدان، ومتولي الجامع الأموي في ذلك الوقت. بدا هذا الشيخ المتصوف متآمرًا صغيرًا في المسلسل، لأن الكاتب أراد منه تجسيد دور رجل الدين الفاسد والمنافق، لكن هذا الأمر حمل الكثير من الظلم لهذه الشخصية، ففي المسلسل يأمر الجباوي مريديه بقصّ لسان الشيخ المسمى بـ الكيكي، وهو مسكين صاحب كرامات، ولم يسبق أن سمعنا ما يشبه هذا في تاريخ الصوفية الشامية. يُسطّح هذا الخيار التصوف الشامي برمته، ويختزل علاقة الشيخ بمريديه في معادلة سلطوية تقوم على الإخضاع، وليس في ذلك النسيج الروحي والاجتماعي، شديد الغنى والتركيب، الذي مثّلته زوايا دمشق القرن الثامن عشر.وبينما كانت هناك فرصة هامة لاستكشاف جوانب إيجابية للأقليات، العرقية والدينية، اختار الكاتب تعزيز الصور النمطية، إذ جُسّدَ الشخص أسود البشرة عبدًا ذليلًا، واليهودي بخيلًا لا يفكر بغير المال وخائنًا بطبعه، والبدوي جشعًا وغدّارًا. بالإضافة إلى ذلك ثمة تأكيد على المنطق البطريركي الذي يرى في المرأة أصلًا لكل شرّ، فعلى الرغم من أن دمشق غارقة في المشاكل الاقتصادية والأمنية إلا أن المسلسل يقول، في عدة أمثلة، أن شرور النساء هي من تُحرّك الأحداث.ومع أن “الحصرم الشامي” يزعم التمردَ على دراما البيئة الشامية التقليدية، إلا أنه في واقع الأمر يعيد ارتكاب أخطائها، فيُكرر الصور النمطية والمعايير التي كان من المفترض أن يتجاوزها. وبدلًا من تقديم رؤية جديدة وعميقة للمجتمع الدمشقي في القرن الثامن عشر، حيث رسم الحلاق لدمشق صورة بانورامية للمدينة في زمنه، اختار المسلسل أن يقدم عالمًا يُطابق الرؤى الاستشراقية.تقول دانة السجدي في كتابها “حلّاق دمشق: محدثو الكتابة في بلاد الشام إبان العهد العثماني”: “في تأريخ ابن بدير تتشكل خريطة، حيث لا تبدو المدينة مجرد أسماء أماكن، بل موطنًا حقيقيًّا. فهي موطن لكل أنماط البشر، مثل: الوجهاء أو الأعيان، والعلماء، والتجار، والجنود، والمتصوفين، وأصحاب الدكاكين، وبائعات الهوى، وحتى المجاذيب. هي مدينة تزخر بالجمال الطبيعي والبركَة، لكنها أيضًا مكان للجريمة الغامضة، وحالات الانتحار الغريبة، والحفلات الماجنة الصاخبة، والخيانات الزوجية”.هذه البانوراما هي ما كان يمكن للمسلسل أن يصنعه، لكنه فضّل على ذلك عالمًا تحرّكه الغرائز وتُشعله النساء ويتآمر فيه رجال الدين، وتكون الأقليات فيه علامةً على الفساد لا على التنوع، ولأجل هذا كله، لا ينتمي “الحصرم الشامي” إلى عالم آخر غير الذي أراد التمرد عليه.#مراجعات#دراما سورية#م٠لة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم