حول كتاب العبرات للمنفلوطي

أ. أحمد عطوف
( المغرب )
يكتب
(العبرات) ..
لمصطفى لطفي المنفلوطي.

 إذا كان أحمد شوقي أمير الشعراء، والعزّ بن عبد السلام سلطان العلماء؛ فإن مصطفى لطفي المنفلوطي هو أمير الكُتّاب وسلطان الأدباء.
 عرفتُ المنفلوطي وأنا ابن سبع سنين، قرأتُ له بعض القصص في مكتبة المدرسة الابتدائية قبل أربعين سنة، ولم أحظ بمعانقته مجددا إلا في الآونة الأخيرة. نسيت عناوين تلك القصص، لكن مؤلفها ظل محفوظا في الذاكرة والوجدان.
 المنفلوطي هو أول من أدخل المعنى والقصد في الإنشاء العربي كما يقول محمود عباس العقاد، تفرغ لدراسة كتب الأدب القديم؛ فقرأ لابن المقفع والجاحظ والمتنبي والمعري.. وكوّن لنفسه أسلوبا خاصا يعتمد على شعوره الفطري وحساسيته الإنسانية. كان يتمتع بحس مرهف، وذوق رفيع، وملكة فريدة في التعبير عن المعنى الإنساني من خلال اللغة، فجاءت كتاباته رفيعة الأسلوب، أصيلة البيان، فصيحة المعنى، غنيّة الثقافة، ندَرَ أن نجد لها مثيلا في الأدب العربي الحديث.
 قام بترجمة عدد من الروايات الفرنسية الشهيرة بأسلوب أدبي راق، وصياغة عربية في غاية الجمال. ورغم كونه لم يُجد الفرنسية إلا أنه استعان بأصحابه الذين كانوا يترجمون له الروايات، ومن ثَم يقوم هو بصياغتها وصقلها في قالب أدبي رفيع.
 لزم الشيخ محمد عبده ملازمة الولد لوالده، والتلميذ لأستاذه، وسُجن بسببه ستة أشهر لقصيدة قالها تعريضا بالخديوي عباس حلمي الذي كان على خلاف مع محمد عبده.
 من كتبه التي طبّقت شهرتها الآفاق؛ كتاب (العبرات)، ويُعدّ هذا الكتاب من أبلغ ما كُتب بالعربية في العصر الحديث. ويضم قصصًا مؤثرة ومبكية، تركّز على مآسي البشر، والظلم الاجتماعي، والفقر، والحزن الإنساني. هذه القصص ثلاث منها ألّفها هو، وخمس عرّبها، وواحدة اقتبسها. وسُمّي بـ (العبرات) لأن كل قصة فيه تعبّر عن دمعة حزن وعبرة عظيمة.
 عبّر المنفلوطي في هذا الكتاب عمّا يجيش في مجتمعه من مشكلات انقسم حولها الرأي بين مؤيد ورافض، كمسألة الحجاب، ومسألة محاكاة المتفرنجين، وما ساد المجتمع من مفاسد خلّفها التفاوت الطبقي والاستعمار الأجنبي. وعبّر عما يجيش في نفوس الشباب من أشواق وأحزان وآلام، وكانت هذه القصص بمضمونها قطرات من الدمع يسكبها بين أيدي القرّاء. وفي مقدمة (العبرات) يصور ذلك بقوله: "الأشقياء في الدنيا كثر، وليس في استطاعة بائس مثلي أن يمحو بؤسهم وشقائهم، فلا أقلّ من أن أسكب بين أيديهم هذه العبرات، علّهم يجدون في بكائي عليهم تعزية وسلوى".
 جاءت كتابات المنفلوطي إرشادا للناشئة وللقرّاء جميعاً، وتوجيها غير مباشر إلى التحلي بالفضائل الإنسانية والأخلاق الحميدة، وهو جانب مهم كثيراً ما نراه في أدب المنفلوطي.

 وفي ختام هذه الكُليمة، يطيب لي أن أشارككم بعضًا من هذه الزفرات والعبرات:

▪️”جلس – الطبيب – ناحيةً يكتب ذلك الأمر الذي يُصدره الأطباء إلى عُمّالهم الصيادلة أن يتقاضوا من عبيدهم المرضى ضريبة الحياة”.
▪️”المدرسة في هذا البلد حانوتٌ قاس لا تباع فيه السلعة نسيئة، والعلم في هذه الأمة مرتزق يرتزق منه المرتزقون، لا منحة يمنحها المحسنون”.
▪️”ما أسعد الأمهات اللواتي يسبقن أولادهم إلى القبور، وما أشقى الأمهات اللواتي يسبقهن أولادهن إليها، وأشقى منهن تلك الأم المسكينة التي تدب إلى الموت دبيبًا وهي لا تعلم هل تركت ولدها وراءها، أو أنها ستجده أمامه؟”.
▪️”إن كان لابد من سعادة في هذه الحياة، فسعادتها أن يعيش المرء فيها معتقدا أن لا سعادة له فيها ليستطيع أن يقضي أيامه المقدّرة له على ظهرها هادئ القلب ساكن النفس، لا يكدّر عليه عيشه أمل كاذب، ولا رجاء خائب”.
▪️”إن كنتم تريدون أن نعيش على وجه الأرض بلا حبّ فانتزعوا من بين جنوبنا هذه القلوب الخفّاقة ثم اطلبوا منا بعد ذلك ما تشاؤون”.
▪️”هذّبوا رجالكم قبل أن تهذبوا نساءكم، فإن عجزتم عن الرجال فأنتم عن النساء أعجز”.
▪️”قلتم لها: لا بد أن تتعلمي لتحسني تربية ولدك، والقيام على شؤون بيتك، فتعلمت كل شيء إلا تربية ولدها والقيام على شؤون بيتها”.
▪️”رأيتم العلماء في أوروبا يشتغلون بكماليات العلوم بين أمم قد فرغت من ضرورياتها، فاشتغلتم بها مثلهم في أمة لا يزال سوادها الأعظم في حاجة إلى معرفة حروف الهجاء”.
▪️”كل نبات يُزرع في أرض غير أرضه، أو في ساعة غير ساعته، إما أن تأباه الأرض فتلفظه، وإما أن ينشب فيها فيفسدها”.
▪️”حسبنا يا صديق من الشقاء في هذه الحياة ما يأتينا به القدر، فلا نضم إليه شقاء جديدًا نجلبه بأنفسنا لأنفسنا”.
▪️”البلد الذي لا يستحي أطباؤه أن يطالبوا أهل المريض بعد موته بأجرة علاجهم الذي قتله، لا يمكن أن يوجد فيها طبيب محسن أو متصدق”.
▪️”الطامعين المداهنين .. لا يبالون أن يخوضوا بحرًا من الدم إذا تراءى لهم على شاطئه الآخر دينار لامع”.
▪️”اضطر الرجل إلى ارتكاب جريمة السرقة، فعوقب السارق على سرقته، ولم يعاقب القاسي على قسوته، ولولا قسوة القاسي ما كانت سرقة السارق”.

✍🏼 أحمد عطوف#عيت على التراث #مجاة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم