تيسير كامل حسين… حين يصبح اللون سيرةً للروح ومرآةً للإنسان
الفنانة التشكيلية العراقية تيسير كامل حسين واحدة من الفنانات التي استطاعت أن تبني تجربتها الخاصة بعيدًا عن التكرار والاستنساخ، مستندةً إلى إرث ثقافي وفني عريق، وإلى رؤية تشكيلية ترى في الفن وسيلةً للتأمل في الإنسان والوجود أكثر من كونه محاكاةً للواقع.
وُلدت في بغداد – الكاظمية، ونشأت في بيتٍ كان الفن والأدب فيه لغة الحياة اليومية، الأمر الذي أسهم في تكوين وعيها الجمالي منذ طفولتها. فقد ورثت حب الإبداع عن والدها الفنان التشكيلي والشاعر الراحل كامل حسين، وعن والدتها الفنانة التشكيلية والشاعرة ليلى عبد الأمير، كما تنتمي إلى عائلة أدبية وفنية تضم شقيقها الشاعر أنمار كامل حسين. وفي هذا المناخ الإبداعي بدأت تمارس الرسم في سن مبكرة، لتصبح اللوحة لغتها الأولى في التعبير عن العالم.
ورغم حصولها على بكالوريوس علوم – قسم تكنولوجيا المعلومات / جامعة بابل، وعملها في مجال الحاسبات، فإن الفن ظل الشغف الأكبر الذي منحها مساحة رحبة للتعبير عن أفكارها وأسئلتها الوجودية. فقد استطاعت أن توائم بين العقل العلمي والحس الإبداعي، فانعكس ذلك في بناء أعمال تتسم بالتماسك والوعي البصري.
تنتمي تجربتها إلى المدرسة التعبيرية والتجريدية التعبيرية، حيث لا تكتفي بنقل المشهد الخارجي، بل تتجاوز ذلك إلى كشف العالم الداخلي للإنسان. فاللون لديها ليس عنصرًا زخرفيًا، وإنما لغة شعورية تحمل دلالات نفسية وفلسفية، بينما تتحول الخطوط والمساحات إلى إيقاعات بصرية تنبض بالحياة والانفعال.
وتتميز أعمالها بتحررها من القيود الأكاديمية الصارمة، إذ تمنح الأولوية للتعبير الصادق عن الفكرة والإحساس، وهو ما جعل النقاد يشيرون إلى حضور البعد الرمزي والفلسفي في منجزها الفني، وقدرتها على بناء خطاب بصري يحمل قيمة جمالية وإنسانية في آنٍ واحد.
كما تمتلك الفنانة ضربات فرشاة قوية وواثقة، تمنح اللوحة طاقة تعبيرية خاصة، وتخلق توازنًا بين العفوية والسيطرة التقنية. وتبرز المرأة بوصفها الثيمة الأكثر حضورًا في أعمالها، إلى جانب جسد الإنسان بصورة عامة، حيث تتناولها بوصفها رمزًا للحياة والخصب والقوة والهشاشة معًا، فتقدمها ضمن رؤية تتجاوز الشكل إلى المعنى، وتحتفي بثراء التجربة الإنسانية وتعدد حالاتها النفسية والوجدانية.
ولا تقف تجربتها عند خامة واحدة، بل تمارس الرسم عبر تقنيات ووسائط متعددة، وقدمت أعمالًا في فن البورتريه إلى جانب موضوعات رمزية وتجريدية متنوعة، مما منح تجربتها ثراءً بصريًا واتساعًا في مفرداتها التعبيرية.
وعلى الصعيد المهني، فهي عضو في نقابة الفنانين التشكيليين العراقيين، وجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، واتحاد الصحفيين العراقيين والعرب، ومؤسسة فنانات تشكيليات عراقيات، وأسهمت بفاعلية في الحركة التشكيلية العراقية من خلال مشاركاتها في أغلب المعارض السنوية التي تقيمها جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، ومعارض الفنانات التشكيليات العراقيات، فضلًا عن مشاركاتها المستمرة في معارض وزارة الثقافة العراقية، والعديد من المعارض المشتركة داخل العراق وخارجه.
وحظيت أعمالها باهتمام إعلامي وثقافي واسع، إذ نُشرت في الصحف والمجلات والمواقع الفنية والثقافية العراقية والعربية والعالمية، كما نُشرت مجموعة من أعمالها في مجلة ألف ياء الشهرية الصادرة في أستراليا، واقتنت أعمالها جهات ومقتنون في عدد من البلدان العربية والأوروبية، ونالت العديد من الجوائز وشهادات التقدير والتكريم.
وامتد حضورها الفني إلى فضاءات الثقافة والأدب، حيث زينت لوحاتها أغلفة العديد من الدواوين الشعرية والروايات والقصص العربية، في تلاقٍ جميل بين الفنون البصرية والكلمة المكتوبة.
وشكل معرضها الشخصي الأول، «ما لا يُرى»، الذي أقيم في قاعة الأطرقجي بالمنصور، محطة مهمة في مسيرتها الفنية، إذ قدمت من خلاله مشروعًا بصريًا يستكشف المناطق الخفية من النفس الإنسانية، ويؤكد أن ما لا تراه العين قد يكون أكثر حضورًا وتأثيرًا من المرئي.
إن تجربة تيسير كامل حسين ليست مجرد ممارسة للرسم، بل هي مشروع فني وإنساني يقوم على البحث الدائم عن جوهر الإنسان، وعن الجمال الكامن في المشاعر والأسئلة الوجودية. ومن خلال أعمالها تؤكد أن اللوحة ليست مساحة للألوان فحسب، بل فضاء للتأمل والحوار واكتشاف الذات، الأمر الذي يجعلها واحدة من الأسماء العراقية التي تواصل ترسيخ حضورها في المشهد التشكيلي العراقي الحديث بثقة واقتدار.
( عباس الصحاف)
##الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.


