حمص..ذاكرة الحجارة السوداء ونبض التراث  الحاضر في انامل حرفيها

حمص..ذاكرة الحجارة السوداء ونبض التراث  الحاضر في انامل حرفيها
لم تكن حمص يوما  مجرد مدينةٍ تتوسط سوريا كقلبٍ نابض، بل  ذاكرةٌ تتجسد في الحجر، وملحمةٌ تُروى على امتداد نهر العاصي. حجارتها السوداء ،لاتقف عند حدود كونها صخراً جامداً، بل صفحاتٍ من تاريخٍ ضارب في القدم، وتعد أسواقها العتيقة امتداد عميق  لممراتٍ التجارة، و نبضٌ يختزل حكايات الحضارات التي تعاقبت عليها. لتجتمع  جنبا الى جنب مع الحاضر في ازقة اسواقها  الضيقة والمشبعة بالتاريخ، هناك بلحظة واحدة ٠ تمتزج الروائح والاصوات معا ، رائحة البهارات تتعانق مع دقّات المطارق النحاسية الى جانب حرفة التنجيد العربي وصناعة العباءات وسواها ،،هناك ما تزال أنامل الحرفيين تسحب من التاريخ خيوط الأصالة وتطرق سمع الحاضر والمستقبل بإزميل التميز واليد الخبيرة،لتؤكد رسالتها: اننا هنا مانزال نزاول حرفتنا ابا عن جد وتلميذ عن معلم . ، و اكفنا تنقش على النحاس قصائدَ لا تموت.
تعم هي أسواقٌ تنبض بالحياة.. حيث يولد التراث
وتتشعب  أسواق حمص الأثرية كشريان في قلب المدينة القديمة على مساحة تقارب 40 ألف متر مربع، لتكون متحفاً مفتوحاً للحرف والصناعات التقليدية. تعود جذورها إلى العهدين الأيوبي والمملوكي، وتتميز بشوارعها الأسطوانية وسقوفها الملونة وعقودها المقببة الضخمة. وفي سوق المقبي /المسقوف، الذي يعود تاريخ بنائه إلى عام 1895، تتراصف المحلات تحت سقف خشبي وأرضية مرصوفة بالحجارة السوداء. ومنه تتشعب أسواقٌ تحمل أسماء المهن العريقة: سوق الحرير، العطارين، الصاغة، النحاسين، والخياطين. وفي كل زاوية من هذه الأسواق، تقف حرفةٌ تحكي قصة عائلة، وتروي سيرة أجدادٍ أخلصوا لفنهم فقدموا منتجات وصلت الى اغلب بلدان العالم
– نول الحرير.. حين كان الصمت أبلغ من الغناء
احتلت حمص يوماً لقب عاصمةً النسيج والحرير، حيث كان النول اليدوي يملأ البيوت بدقاته المألوفة ورقصته الخشبية. أما اليوم، فهناك عدد قليل جدا  من الحرفيين يعدون على اصابع اليد ممن، يمارس هوايته على نول الحرير، ليُحيي هذه الحرفة التي كادت أن تندثر. ومن بينهم الحرفي سامي نداف، الذي يعمل على نول عربي تقليدي ليصنع أوشحةً وشالاتٍ من الحرير الصافي، محاولاً أن ينقل هذا الإرث إلى الأجيال الشابة قبل أن يطوي النسيج صفحته الأخيرة. وحين ترى خيوط الحرير تنساب بين أصابعه، تشعر أن المدينة بكاملها تنسج حكايتها  وتسجل قصص سكانها على هذا النول العتيق,
.اما النحاس فحكاية موسيقية تسعد الروح..و ينبض المعدن بالحياة
في قلب سوق النحاسين، يواصل الحرفي نبيه النحاس إحياء واحدة من أعرق المهن، حيث تتعانق الأصالة مع الإبداع في فنّ النقش على الأواني النحاسية. باستخدام المطارق والأزاميل، يحوّل صفائح النحاس إلى قطعٍ فنيةٍ  زاخرة بالحيوية والفائدة، يزيّنها بزخارف هندسية وإسلامية دقيقة.  مشيرا الى أن هذا الفن،  يتطلب دقةً وصبراً ومهارة عالية، واضاف ان صناعة النحاس ما تزال تحافظ على مكانتها رغم التطور التكنولوجي، إذ يلقى هذا الفن إقبالاً من محبي القطع التراثية التي تحمل في نقوشها روح المكان وذاكرته. واوضح حرفي اخر من العاملين بالسوق أن الحرفة تواجه تحدياتٍ متزايدة تهدد بقاءها  ، وكأن كل قطعة نحاسية تنقش على سطحها صرخةً صامتةً: “لا تدعونا نندثر”.
مساند القش.. دفء التراث في حي دير بعلبة
في حي دير بعلبة، ما تزال حرفة صناعة مساند القش حاضرةً بقوةٍ، رغم تطور صناعة المفروشات. هنا، يجمع الحرفيون القش ، ليحشوا به قوالبَ خاصةً يُضغطونها بإحكام، ثم تُخاط وتُغطى بأقمشة متنوعة. هذه المساند، المصنوعة بالكامل من مواد طبيعية، تُعد خياراً مثالياً للبيوت العربية والريفيه، لما توفره من عزل مريح ولمسةٍ تراثيةٍ دافئة. ويقول الحرفي محمد خليل السليم: “صناعة مساند القش ليست مجرد عمل يومي، بل رمز للهوية العائلية وامتداد لتاريخ طويل من المهارة اليدوية”. وأضاف  انه مؤخرا، شهدت الحرفة عودةً قويةً وانتعاشاً ملحوظاً، لتعيد فتح الورش الصغيرة وتُرسخ هذا الفن الذي يحمل عبق الماضي.
– حرفٌ تتجدّد.. بين القش والزخرفة والخشب
لا تقف حمص عند حدود حرفةٍ بعينها، بل تزخر بتنوعٍ حرفيٍّ مدهش.، يتجلى جزء منه في  الرسم على الزجاج، وأعمال النحت البارز (الدمشقي)، والصناعات الخشبية، وأعمال الخرز، إلى جانب صباغة الراتنج والشمع. كما يُطلق الحرفيون الشباب مشاريعَ فنيةً تجمع بين أنواع الخشب كالجوز والتوت والبرقوق، مع الأصداف والنحاس.
وفي مجال الصناعات الغذائية، تشتهر حمص بأصنافٍ متعددة من الحلويات الشرقية التي توارثتها الأجيال، مثل حلوى “البشمينية” وأنواع السمسم والغريبة وحلويات الجوز.الى جانب ذلك تقوم  مديرية الثقافة بتنظيم دوراتٍ تدريبية لتعليم حرفة صناعة القش، بهدف تمكين السيدات والحفاظ على هذا التراث اليدوي الأصيل، لما لهذه الحرفة من جذورٍ تمتد إلى العصور القديمة.
في كل حرفةٍ من هذه الحرف، تتراقص أنامل الحرفيين على إيقاع الزمن، لتروي لنا حمصَ التي لا تُرى بالعين وحدها، بل تُحسّ بالكفِّ التي تلمس النحاس، وتُسمع بالأذن التي تصغي لصليل النول، وتُشمّ بالأنف الذي يستنشق عبق القش والبهارات،  لتتحول حمص  الى مدينةً لا تُزار فقط.. بل حكايةٌ تُعاش وتستمر..


سمر محفوض.خاص مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم