حكاية الحلة او الدست..وقصة سلق القمح.حين كان للخبز حكاية وللحصاد عيد وللأرض أمومةٌ لا تنضب – د.غسان القيم.

من هناك… من الحقول التي كانت تمتدّ كالبساط الذهبي تحت شمس الصيف ومن بين سنابل القمح التي كانت تتمايل على إيقاع الريح كأنها ترتّل نشيد الأرض الأبدي تبدأ الحكاية ولا تنتهي.
في هذا الفجر أيقظتني رائحةٌ قديمةٌ قادمةٌ من قيعان السنوات البعيدة رائحة حنطةٍ مسلوقةٍ كانت تتصاعد من ذلك “الدست” الكبير في ساحة الدار حين كانت الأيادي تتعب لكن القلوب لا تعرف التعب وحين كان للخبز حكاية
وللحصاد عيد
وللأرض أمومةٌ لا تنضب.
أرى والدتي رحمها الله واقفةً قرب الوعاء الكبير ككاهنةٍ من كاهنات الخير تراقب حبات الحنطة وهي ترقص في الماء المغلي بينما كنا نحن الصغار نطوف حولها كالعصافير الجائعة. كانت العيون معلّقةً بالبخار المتصاعد وكانت الأرواح تسبق الأيدي إلى ذلك الطعم الذي ما زالت الذاكرة تحتفظ بحلاوته حتى اليوم.
وما إن تقترب “السليقة” من النضج حتى تبدأ طقوسنا الصغيرة كلّ واحدٍ يحمل صحنه بلهفة المنتظر هديته من السماء نختلس بعض الحبات الذهبية، ونذرّ فوقها قليلاً من السكر فنشعر وكأن الدنيا كلها قد اجتمعت في تلك اللقمة البسيطة المباركة.
يا لها من أيام.. أيامٌ لم تكن غنيةً بما نملك بل بما نشعر.
كانت حفنة قمحٍ تجمع العائلة أكثر مما تجمعه اليوم موائد عامرة وكان بخار الحنطة المسلوقة يحمل دفئاً لا تستطيع آلاف الأجهزة الحديثة أن تصنع مثله.
واليوم حين أستعيد تلك المشاهد أشعر أنني لا أتذكر طعاماً فحسب بل أتذكر زمناً كاملاً.
زمناً كانت فيه الأرض أقرب إلى الناس وكانت البيوت أكثر امتلاءً بالمحبة وكانت الطقوس الريفية الجميلة تنسج بين أفراد الأسرة خيوطاً من الألفة لا تنقطع.
لقد غابت كثيرٌ من تلك العادات وانسحبت بهدوء كما ينسحب المساء عن سفوح القرى لكنّها لم تغب عن الذاكرة. فما زالت تعيش فينا كجمرٍ دافئ تحت رماد السنين يكفي أن تهبّ عليه نسمة حنين حتى يتوهّج من جديد.
صباح الخير لكلّ ذكرى جميلة ما زالت تسكن قلوبنا.
صباح الخير لسنابل القمح ولأمهاتنا اللواتي كنّ يصنعن من أبسط الأشياء أعياداً صغيرة.
صباح الخير لذلك الزمن الذي مضى لكنه ما زال يزهر في أرواحنا كلما مرّت بنا رائحة حقل أو بخار سليقة أو حكاية عشقٍ محمّلة بخيرات هذه الأرض الطيبة.
فهناك… حيث تبدأ بنا الحكاية ولا تنتهي ما زالت الذاكرة ترتّل نشيدها العتيق مع أول خيطٍ من نور الصباح.
رحم الله والدتي وجعل ذكراها الطيبة كسنبلة قمحٍ لا ينقطع خيرها في حقول القلب.
د.غسان القيم

أخر المقالات

منكم وإليكم