حديقة ويندي وايتلي السرية،ارادة امرأة خلقت الجمال وسط القمامة.

لم تكن تملك أي تصريح، ولا عقد إيجار قانوني، ولا أي حق في التدخل في أي متر مربع من تلك الأرض.
ومع ذلك، نزلت الهضبة وفي يدها أداة بستنة، ووطأت قدمها قطعة أرض تابعة لسكة حديدية ملك للدولة، كانت مهملة وتكسوها النباتات البرية، تقع أسفل منزلها مباشرة.
على مدى قرن من الزمان تقريباً، كانت هذه الأرض الواقعة في “لافندر باي” (Lavender Bay) بخلية سيدني تُستخدم كمكب عشوائي للنفايات؛ تملؤها شجيرات العليق، والأعشاب الضارة، وقطع الخرسانة المكسورة، والنفايات المنسية.
كانت هذه المرأة تُدعى ويندي وايتلي (Wendy Whiteley).
كانت ويندي أرملة “بريت وايتلي”، أحد أشهر الرسامين المحدثين في أستراليا، والذي توفي عام 1992. وبعد تسع سنوات، ضربت مأساة جديدة حياتها: إذ توفيت ابنتها الوحيدة “أركي” بسبب مرض السرطان عن عمر يناهز 37 عاماً فقط.
عاجزةً عن البقاء محبوسة في منزلها الصامت، ومسحوقةً بحزن لم تعرف كيف تعبر عنه، نزلت ويندي نحو تلك الأرض المهجورة بالقرب من خطوط السكة الحديدية القديمة، وبدأت ببساطة في اقتلاع الأعشاب الضارة.
لم تكن لديهما أي خطة تخطيطية محددة، ولم تحصل على أي تصريح رسمي من المدينة.
وكلما نظفت قطعة أرض، كانت تجلب شاحنات محملة بالتربة الزراعية الخصبة. غرست أشجار التين والنخيل التي ستستغرق عشرين عاماً لكتمل نموها.
شقّت ممرات ملوية، وأزالت أطناناً من الخردة الحديدية الصدئة، ووضعت مقاعد خشبية في أماكن اختيرت بعناية، حيث تتخلل أشعة الشمس أوراق الشجر لتضيء الخليج.
عاماً بعد عام، وبمساعدة اثنين من البستانيين المأجورين، استثمرت ثروتها الشخصية في استصلاح هكتارين كاملين من الأرض العامة؛ أرض لا تملكها ولن تتمكن يوماً من بيعها.
مولت كل بذرة، وكل حجر، وكل راتب من العائدات المتأتية من أعمال زوجها الراحل.
بعد وفاة ابنتها، دفنت ويندي جزءاً من رفات “أركي” و”بريت” عميقاً في الأرض، تحت الأشجار.
وبدأت لوعتها تتحول تدريجياً إلى شيء حي، متجذر، وأخضر.
ورغم ذلك، لم تضع يوماً بوابة، ولم تبنِ كشكاً لبيع التذاكر، ولم تضع أي لافتة تشير إلى أن هذا المكان يخصها.
منذ السنوات الأولى، ظل البستان مفتوحاً بالكامل أمام كل من يكتشفه بالمصادفة.
على مدى عقود، ظل هذا المشروع عرضة لمخاطرة هائلة ولكنها صامتة: في أي لحظة، كان بإمكان الحكومة التدخل، واقتلاع المزروعات، واستعادة هذه الأرض الثمينة المطلة على البحر لبناء مبانٍ تجارية.
لكن ويندي واصلت الحفر، والغرس، والعناية ببستانها.
في عام 2015، كان هذا البستان السري قد أصبح متجذراً بصفة عميقة في قلوب سكان سيدني، إلى درجة أن الحكومة تدخلت في النهاية.
لا لتدميره، بل لحمايته.
منحت السلطات عقد إيجار طويل الأجل للمجلس المحلي للمدينة، وسجلت الأرض رسمياً ضمن التراث الوطني، مما أمن حمايتها للأجيال القادمة.
ثم، وبعد أن تجاوزت سن الثمانين، ذهبت ويندي إلى أبعد من ذلك.
في عام 2022، أعلنت أنها عند وفاتها ستهب للمنفعة العامة ما يقارب 2000 عمل فني لزوجها الراحل، بالإضافة إلى منزلها في “لافندر باي”.
قُدّرت قيمة هذه التركة بأكثر من 100 مليون دولار.
لم تكن ويندي مليارديراً.
كانت مجرد أرملة فنان. وكان بإمكانها بيع هذه اللوحات بكتَمان، واحدة تلو الأخرى، وقضاء ما تبقى من حياتها في رفاهية مطلقة.
لكنها اختارت بدلاً من ذلك تقديم كل شيء للجمهور، لأولئك الآلاف من الأشخاص الذين جاؤوا على مدى ثلاثين عاماً للجلوس على مقاعد بستانها.
اليوم، إذا أتيحت لك الفرصة يوماً ما للنزول إلى “حديقة ويندي السرية” (Wendy’s Secret Garden) في سيدني، والاستراحة على مقعد هادئ وأنت تتأمل المياه، فتذكر هذا:
إذا كان هذا المكان موجوداً اليوم، فلأن امرأة حطمها الحزن قررت إعادة الحياة إلى قطعة أرض مهجورة… ورفضت أن تحيطها بسياج.
#حديقة_ويندي_السرية #سيدني #أستراليا #قصص_ملهمة #قصص_واقعية #حب #أمل #تحويل_الحزن_إلى_جمال #فنون #طبيعة #حدائق #إلهام #وفاء #إيثار #WendySecretGarden #Sydney#مجلة ايليت فوتو ارت.

37٥

أخر المقالات

منكم وإليكم