إمبراطورات سوريات على عرش روماجوليا دومنا (193_217م) العقل والجمال والإرادة السمحة بين عام 193 م وعام 235 م تسنم عرش روما أسرة سورية حمصية، وقد كانت الركيزة الرئيسية في تسلم هذه الأسرة عرش روما آنذاك زواج القائد العسكري سبتيم سفير الفينيقي من لبدة (ليبيا) من جوليا دومنا الحمصية ابنة كاهن حمص الأكبر جوليوس باسيانوس.ففي الربع الأخير من القرن الثاني الميلادي كان على الصبية جوليا دومنا أن تصغي بانتباه وتوجس لما تخبرها به العرافة وما تنبأت لها به فقد أخبرتها أن طالعها يقول إنها ستحظى بزواج إمبراطوريومن بين سحب البخور والعينين الواسعتين لمعت الفكرة النبوءة في قلب الصبية ذات الفم الصغير، والشعر المتماوج والغزير والتي نهلت من الثقافة اليونانية وعلوم المحاسبة والإدارة والفكر الروماني.بالإضافة إلى تشربها خصائص مجتمعها السوري. وهذا ما سوف يتجلى في قيادة دفة الإمبراطورية الواسعة الأرجاء إلى جانب زوجها سبتيم ومن ثم ولدها كركلا..عام 179 م يأتي سبتيم سفير إلى سوريا كقائد لفيلق عسكري ولحظة وقع بصره على جوليا دومنا أدرك أنها (الأميرة تماماً) والتي سوف تبادله الحب إلى أن يتزوجا عام 187 م.عام 188 م تنجب جوليا ابنهما كركلا وبعد سنة تنجب جيتا وخلال هذه الفترة تكون جوليا الطامحة وسبتيم الفولاذي العاشق لها يسعيان لأمر حالفتهما فيه الظروف ليصبح سبيتم إمبراطوراً إلى روما وسط الزهور وأكاليل الغاز. يقول أحدهم في وصف هذه اللحظة التاريخية بان الشرق ينتقم من روما واحتلالها له وفعلاً كان نهج جوليا دومنا هو الحرص على استمرارية الحكم السوري لروما. وهذا ما جعل إدارات الإمبراطورية وقوادها بامتياز.واستطاعت جوليا دومنا بعقلها المتوازن، وحضورها الأخاذ، من أن تكون السند القوي والحكيم لزوجها والذي تعرض للمكائد والدسائس.ومع هذا استطاع الوقوف في وجه أعدائه بثبات وهذا ما دفع الشعب الروماني كي يصف جوليا بأنها أم الأباطرة وأم المعسكرات وأم الوطن وأم مجلس الشيوخ بالإضافة إلى ما تحمله من لقب أوغستا. فقد كانت إلى جانب زوجها في معظم معاركه، واستطاعت أن تضم إلى البلاط كبار المفكرين والمثقفين من بلاد الشام، ولا سيما حكماء من لبنان من مدرسة الحقوق بالإضافة إلى منح المدن والمستعمرات الرومانية الحقوق الإيطالية، وبذلك تساوت المدن مع العاصمة روما.أحد الكتاب الرومان يقول فيها:(أقامت العدالة، وأشادت المدن، وعرفنا السعادة على يدها، إنها الفضيلة والسلام إنها الآلهة السورية التي تزن في ميزانها الحياة وقوانينها (ويتابع) لقد أرتنا جوليا سوريا وفيها نجم السماء).ونتيجة لكل ذلك فقد صنعت التماثيل لها، وأطلق على مدينة بلوتينوبوليس تيمناً بها.. والحقيقة أن بعض الرومان، ولا سيما من في مجلس الشيوخ، لم يكونوا يستسيغوا هذا التبجيل الذي يكنه الشعب لها لدرجة أن أطلق عليها لقب أم الآلهة ومع هذا فلم يدر في خلدهم أن نساء الشرق العربي لسن جسداً فقط بل عقل وجسد … فلا جسد بلا عقل، والعكس صحيح. أشادت جوليا دومنا العمائر والأبنية في أصقاع الإمبراطورية وفي روما. وفي بعلبك أشادت معبداً لجوبيتير مازالت أطلاله بادية للعيان..بالإضافة لبناء بيت النجوم الواسع الصيت في العالم آنذاكعام 212م يموت الإمبراطور الزوج في حرية في بريطانية وتكون جوليا إلى جانبه، ويحتدم الصراع بين ولديها على العرش – ربما لتدخل الرومان ومحاولة إفساد استمرارية الحكم السوري لعرش روما-وهنا تتجلى حكمة الإمبراطورة وإصرارها على وحدة الإمبراطورية تحت السلطة السورية .. فقد وافق المجلس الاستشاري الروماني على تقسيم الإمبراطورية على نصفين واحد لكركلا والآخر لأخيه جيتا.. غير أن جوليا ذات الإرادة و الحكمة.. تلك الأم النبيلة تستدعي ولديها وتقول لهما بروح الأم التي نعرفها:(لقد استمعتم إلى وسائل اقتسام الإمبراطورية كلها بينكما لكن ذلك لا يكفي فيجب عليكما أن تقتسما أمكما فيما بينكما أيضاً، فكيف أفعل أنا الشقيقة لأقسم نفسي بينكما؟ ابدأ بأن تقتلاني أيها القاسيان، اقطعا جسدي وليضع كل منكما قطعة منه في إمبراطورتيه فتلك هي الطريقة الوحيدة التي تجعلني ضمن هذه القسمة المشؤومة التي تتطلعان إليها)كانت الإمبراطورة تدمع للحفاظ على ابنيها أولاً، ولاستمرارية الحكم للسلالة السورية لروما ثانياً ولم تنس بعد تلك الحادثة التي جرت يوم الولادة بابنها جيتا ففي عام 189 م، وحين وضعت وليدها جيتا جاء من يخبرها أن دجاجة باضت بيضة ذات لون أرجواني، وحين طلبت رؤيتها وجاؤوها بها، تلقفها كركلا، الذي لم يتجاوز السنة الأولى من العمر، وألقاها أرضاً فزجرته جوليا قائلة بمزاح: أيها المجرم الصغير لقد قتلت أخاك!! وهذا ما حصل فعلا عام 212م، حيث يدبر كركلا مكيدة لأخيه لينتهي مقتولاً في أحضان أمه التي جرحت أيضاً ابنها.ولعل الكبر والعنفوان يتجليان مرة أخرى، حين عضت الإمبراطورة على جرحها ثانية ووقفت إلى جانب كركلا كإمبراطور جديد وفي ذهنها الحفاظ على العرش للسوريين واستطاعت بحكمتها أن تدبر الإمبراطورية وشؤونها، وتحيد كركلا الطائش المتهور وتتركه لشؤون الجيش. واستطاعت الجمع بين نبل الأم العظمية وإرادة الإمبراطورة الفولاذية، وهذا ما دفع أحد المؤرخين الرومان كي يصفها بأنها امرأة نبيلة من الشرق. عام217 م يقتل ابنها كركلا في مكيدة، وهنا تتجلى حنكتها وحكمتها معاً في محاولة تسليم أمور الحكم إلى أختها جوليا ميسا عبر حفيدها وتنجح في ذلك رغم أن المتآمرين حاصروها وأذاقوها الويل لتصل إلى حد أن تأخذ السم وتنتحر حفاظاً على عزتها وعزة سوريا. لتبدأ حقبة جديدة عام 217م مه تسنم العرش لحفيد جوليا ميسا والذي كان في الرابعة عشر من العمر.وبعد كانت جوليا دومنا المعبر عن شخصية بلادها وقد عكست بشخصيتها روح سوريا-بلاد الشام وكانت بحق العقل والجمال والإرادة السمحة.# حضارات المشرق تاريخ واثار# مجلة ايليت فوتو ارت


