جورج طرابيشي وحسب نظريته ان لاوجود لفلسفة عربية معاصرة.

“لا وجود لفلسفة عربية حديثة أو معاصرة” – جورج طرابيشي

يفتتح جورج طرابيشي مقاربته لواقع العقل العربي بإطلاق هذه المقولة التشخيصية، مجردا الساحة الثقافية من أي ادعاء بامتلاك نسق فلسفي مكتمل في العصر الحديث. يقرر طرابيشي أن ما يُنتج في الفضاء الثقافي العربي يندرج ضمن تصنيف “الفكر” أو “الأيديولوجيا”، ويفتقر إلى الشروط البنيوية والمعرفية التي تسمح بتسميته “فلسفة” بالمعنى الدقيق للمصطلح، ويطرح هذا الحكم بوصفه تأسيسا إبستمولوجيا ضروريا لفهم الفجوة الحضارية.

يُرجع الأنتلجنسيا العربية هذا الخواء الفلسفي، بحسب طرابيشي، إلى ممارسة ذهنية يسميها إضرابا مقنعا عن التفكير الجذري. يعاني المثقف العربي من رهبة أمام المسلمات التراثية والمجتمعية، وتتوقف حدود تحليله عند العتبات التي تتطلب تفكيكا للمقدس أو للثوابت الموروثة. ولتعويض هذا العجز عن اجتراح أسئلة فلسفية أصيلة، يلجأ العقل العربي إلى استعارة المفاهيم الغربية وتوظيفها بشكل قسري، أو الانكفاء نحو اجترار مقولات القدماء، فتنتج حالة من الشلل المعرفي تمنع ولادة أي مشروع فلسفي يمتلك أصالة التفاعل مع إشكاليات واقعه المباشر.

تتجلى هذه الأزمة في هيمنة النزعة “التوفيقية” على الإنتاج الفكري العربي، حيث يسعى المفكرون إلى التلفيق بين معطيات الحداثة الغربية وحرفية التراث. يتضح هذا المأزق عند مقارنة الفلسفة بالتلفيق الأيديولوجي؛ فحين أسس إيمانويل كانط في “نقد العقل الخالص” لقطيعة معرفية تتجاوز لاهوت القرون الوسطى وتؤسس لعصر التنوير الأوروبي انطلاقا من أسئلة عصره، يغرق المفكر العربي المعاصر في محاولات استنطاق نصوص ابن رشد أو المعتزلة، محاولا استخراج قيم الديمقراطية والعلمانية من داخل قوالب فقهية وكلامية تعود للقرن الثاني عشر. هذا الإسقاط، بحسب طرابيشي، يفرغ المنهج الفلسفي من مضمونه ويحوله إلى ترقيع أيديولوجي يتهرب من مواجهة استحقاقات الحداثة.

[جورج طرابيشي، هرطقات عن الديموقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية، دار الساقي، 2006]

#الفلسفة_العربية
#جورج_طرابيشي
#النقد_الابستمولوجي

#م٠لة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم