… حين يصبح الإنسان إلهاً في عينيه: رحلة في أعماق شخصية المصاب بجنون العظمة ،، megalomaniac في أعماق النفس البشرية، حيث تتشابك الظلال مع النور، تنمو أحيانًا زهرة سامة يسمونها “جنون العظمة”. إنه ليس مجرد غرور عابر، ولا ثقة زائدة بالنفس يمكن تجاوزها بنظرة متسامحة. إنه عالم كامل يبنيه الشخص من أوهام، حيث يكون هو الشمس التي تدور حولها الكواكب، وهو الملك الذي لا يُسأل عن قراراته، وهو المعصوم الذي لا يخطئ في رؤيته. إنه المرض الذي يجعل من الإنسان أسطورة في عينيه، وسجيناً في سجن ذاته في الوقت نفسه.يُعرَّف جنون العظمة، أو ما يسمى بالهذيان العظمي، بأنه حالة نفسية تتميز بتقدير مبالغ فيه للذات، مع إيمان راسخ بقدرات خارقة أو أهمية استثنائية لا تمت للواقع بصلة. إنه ذلك الإحساس الطاغي بأن الشخص “أكبر من الحياة”، وأنه يستحق معاملة خاصة، وأن القوانين التي تنطبق على البشر العاديين لا تنطبق عليه. قد يصل الأمر إلى أن يظن الشخص أنه يمتلك قوى خارقة، أو أنه في مهمة مقدسة، أو أنه من سلالة ملكية، أو حتى أنه الإله نفسه. إنه “جنون العظمة” بمعناه الحرفي : هوس العظمة الذي يتجاوز حدود المنطق والعقل …لكن السؤال الأعمق الذي يطارد علماء النفس: لماذا يصاب الإنسان بهذا المرض؟ وما الذي يدفع عقلًا بشرياً إلى بناء قلعة من الأوهام يعيش فيها وحيدًا؟تقول إحدى النظريات النفسية إن جذور هذا الاضطراب تمتد إلى الطفولة الباكرة. فحين ينشأ الطفل في بيئة يبالغ فيها الوالدان في مدحه بلا حدود، أو على النقيض تمامًا، في بيئة قاسية ينال فيها النقد المستمر والإهمال العاطفي، فإن شخصيته قد لا تنمو بشكل متوازن. في الحالة الأولى، يتشكل لديه إحساس زائف بأنه محور الكون، وفي الثانية، يبحث عن العظمة كتعويض عن نقص داخلي مؤلم. إنه كما لو أن الطفل لم يتعلم أبداً أن يكون إنساناً عادياً، فاختار أن يكون إلهاً صغيراً في عالمه الخاص . . .ويذهب المحلل النفسي الشهير ألفريد أدلر إلى أبعد من ذلك، فيرى أن جنون العظمة ليس إلا قناعًا رقيقًا يخفي تحته إحساسًا عميقًا بالنقص. الشخص الذي يعاني من عقدة العظمة، في نظر أدلر، هو في الحقيقة شخص يعاني من عقدة نقص هائلة. إنه يشعر في أعماقه أنه غير كافٍ، فيحاول أن يقنع نفسه بالعكس تمامًا، مؤكداً تفوقه وقدرته الفائقة على حل المستحيل. إنه هروب إلى الأمام، من مواجهة جرح عميق، إلى بناء برج عالٍ من العظمة لا يمكن اختراقه.أما سيغموند فرويد، فقد نظر إلى جنون العظمة من زاوية أخرى تمامًا. في نظريته عن “النرجسية الثانوية”، رأى أن الطاقة النفسية (الليبيدو) التي كان من المفترض أن تتوجه نحو العالم الخارجي والآخرين، قد انسحبت إلى الداخل، نحو الذات، لتغذيها وتضخمها بشكل مرضي. إنه انسحاب الاهتمام من العالم لتركيزه على الذات بشكل مطلق. والنتيجة هي “أنا” متضخمة، منتفخة، منفصلة عن الواقع والعلاقات الحقيقية.إن شخصية المصاب بجنون العظمة هي شخصية معقدة ومؤلمة، ربما أكثر مما تبدو عليه. ظاهريًا، قد يبدو واثقًا، متعاليًا، يوزع الأحكام كإله غاضب، ويطالب بالإعجاب والتقدير كحق إلهي. لكن هذا القناع اللامع يخفي تحته هشاشة شديدة. إن احترامه لذاته يعتمد كلياً على إعجاب الآخرين به. لذلك، هو يراقب نظراتهم، ويحلل كلماتهم، وينتظر منهم التصفيق الدائم. وأي نقد، ولو كان صغيرًا، يهز كيانه ويشعره بالذل والهزيمة، فيرد بعنف أو باحتقار شديدين.إنه شخص لا يستطيع أن يرى في الآخرين إلا أدوات لخدمته، أو جمهوراً لمسرح عظمته، أو أعداء يحيكون له المؤامرات. إنه لا يعرف التعاطف، ولا يفهم مشاعر الآخرين، لأن عالمه يدور حول ذاته فقط. قد يبدو غريبًا في تصرفاته، منفصلًا عن الواقع، يعيش في قصة لم يشاركه فيها أحد. وقد يصل به الأمر إلى حد الهلوسة والهذاءات، حيث يفقد تمامًا قدرته على التمييز بين ما يبنيه عقله من أوهام وبين ما يحدث في الواقع.إن جنون العظمة ليس مجرد اختيار أو نمط شخصية يمكن التخلص منه بالإرادة. إنه مرض نفسي عميق، قد يكون مرتبطًا باضطرابات أخرى مثل اضطراب الشخصية النرجسية، أو الفصام، أو الاضطراب ثنائي القطب. وعلاجه ليس بالأمر السهل، فهو يتطلب جهداً نفسياً طويلاً وشجاعة نادرة من الشخص لمواجهة أوهامه، ولمس الجرح القديم الذي دفعه إلى بناء هذا البرج العاجي المنيع.وفي النهاية، ربما يكون الجنون العظمي هو أصدق تعبير عن هشاشة الإنسان. إنه ليس انفصالًا عن الإنسانية، بل تشويه لها. إنه محاولة يائسة من النفس لتحمي نفسها من الألم، بأن تنكره وتتخيل نفسها فوق كل شيء. لكن الحقيقة التي لا مفر منها هي أننا جميعاً بشر، محدودون، نحتاج إلى بعضنا البعض، ونتوق إلى الحب والاعتراف. والشفاء الوحيد من هذا الجنون ليس في العظمة، بل في التواضع. في القدرة على رؤية النفس كما هي، والآخر كما هو، والعالم كما هو. في أن نتعلم أن نكون عظماء ليس بأن نعلو فوق الآخرين، بل بأن نغمرهم بمحبتنا وتعاطفنا، وأن نجد جمالنا الحقيقي في إنسانيتنا المشتركة … RAMI المراجع:· Tillman, J. G. (2010). Megalomania. In Corsini Encyclopedia of Psychology. Wiley Online Library. · Looti, M. (2025). Megalomania. Psychological Scales. · Zimmerman, M. (2024). Narcissistic Personality Disorder. Merck Manual Consumer Version. · Freud, S. (1911). Psycho-analytic notes on an autobiographical account of a case of paranoia (dementia paranoids). Standard Edition, Vol. 12. · Adler, A. (1927). Understanding Human Nature.
##المثقفون السوريون#مجلة ايليت فوتو ارت.


