في ثلاثينيات القرن الماضي، وبينما كان العالم غارقًا في تداعيات الكساد الكبير، كانت هناك شابة تخوض معركة من نوع مختلف داخل أروقة العلم. لم تكن تسعى وراء منصب أو مكسب مادي، بل كانت مدفوعة بشغف خالص لفهم أسرار الكون. تلك الشابة كانت ماريا غوبرت ماير، التي ستصبح لاحقًا واحدة من أعمدة الفيزياء النووية.
لم تكن رحلتها سهلة أو تقليدية. لسنوات طويلة، وجدت نفسها تعمل دون مقابل حقيقي، فقط لأنها أرادت الاستمرار في البحث. في زمن لم يكن يفتح أبوابه بسهولة للنساء في المجال الأكاديمي، ظلت متمسكة بمكانها، تكتب وتبحث وتفكر، رغم غياب الاعتراف الرسمي. ولم تحصل على منصب أستاذة بشكل كامل إلا في سن متأخرة، حين كان كثيرون قد أنهوا مسيرتهم العلمية بالفعل.
ورغم كل ذلك، جاء إنجازها ليفرض نفسه بقوة. فقد قدمت ما يُعرف بـ نموذج القشرة النووية، الذي غيّر فهمنا لبنية النواة. أوضحت من خلاله أن البروتونات والنيوترونات ليست مبعثرة عشوائيًا، بل تنتظم وفق نظام دقيق يشبه ترتيب الإلكترونات حول الذرة. ومن خلال هذا النموذج، فسّرت أيضًا ظاهرة الأعداد السحرية، وهي أعداد محددة تجعل النواة أكثر استقرارًا من غيرها.
وفي عام 1963، جاء التقدير الذي تأخر طويلًا، حين مُنحت جائزة نوبل في الفيزياء، لتصبح ثاني امرأة في التاريخ تحقق هذا الإنجاز بعد ماري كوري. لم يكن هذا الفوز مجرد تكريم، بل اعتراف متأخر برحلة طويلة من الإصرار والعمل الصامت في وجه التحديات.
# مجلة إيليت فوتو آرت


