تقول المخرجة والكاتبة السورية عبير اسبر عن فيلم “يونان” ينتمي للواقع، كل استعاراته ملموسة دون رمزية مضللة أو مخاتلة.

يونان، عن فيلم بغاية العذوبة كل ما في فيلم “يونان” ينتمي للواقع، كل استعاراته ملموسة دون رمزية مضللة أو مخاتلة. الحياة واقعية، والأداء أيضًا. هو فيلم عن العالقين بماضيهم، بتركتهم، بامتدادات حبلهم السري المرتبط والمفكوك عبر أجيال وأجيال. الفيلم عن التركات التي يحملها وعينا غصبًا عنه، دون أن يدري كيف يصرّفها، وعلى من يرمي بثقل جبالها الصوانية. البطل في “يونان” مختنق، عاجز عن الحب، عن الفعل، هو عالق بصوت أمه وبحكاية واحدة تكررها مرة إثر مرة كما لو أنها فعل تذكره الوحيد. هي الأم المرمية في نسيانها، في عزلة النسيان. الفيلم أيضًا عن الذاكرة، عن محاولات النجاة، عن المهاجرين، عن مقطوعي الجذور والنسب بالمعنى العميق والفعلي، عن المحرومين من أوطانهم وأمكنتهم التي يتلمسونها عبر الكلام والغناء وبعض الطعمات. ومن الأجدر بهذه الأسئلة أكثر من ابن الجولان، تلك الحكاية السورية التي لا يريد أحد أن ينساها، والتي يحب كل سوري أن ينجو من روايتها. لكن لا نجاة مع ذاكرة حية. ربما الذهاب لاستقرار الموت قد يمنح السكينة لروح متعبة مخنوقة بمعارفها. في “يونان”، يحمل البطل منير جسده ويلقيه في العزلة المطلقة، فما بين مكانه الأول الغامض البعيد، يبحث عن مكان بديل هو غامض وبعيد أيضًا.”يونان”… في البدء كان الماءيذهب للبدء، يذهب إلى المكان الأول، هناك حيث العماء، والماء بشكله وحالته الأولى قبل أن تتعقد الحياة بما فعله فيها البشر من ملكيات وأبنية، حدود وحواضر من مدن واستعباد وهجرات وجوازات سفر، يلقي منير ذاته هناك، في الطوفان الذي يحدث تحت سمعه وبصره، حيث كخلاص آخر، يظهر ذاك اليونان الناجي من بطن الحوت. حيث ربما يبدو ظهور الحوت في تلك الأرض النائية هو لحظة اللامعقولية الوحيدة في هذا الفيلم العذب والقاسي معًا، لكنك تقبل اللامعقولية تلك، محمولة على الأداء المتقن لجورج خباز. البطل في “يونان” مختنق، عاجز عن الحب، عن الفعل، هو عالق بصوت أمه وبحكاية واحدة تكررها مرة إثر مرة كما لو أنها فعل تذكره الوحيدفي “يونان”، نحن في منطقة ألمانية خالصة الألمانية، تبدو في جغرافيتها كما لو أنها نفي مضاعف لأكبر منفي في هذا العالم. لكن منير، هذا المنفي، سيجد شكلًا للانتماء، ليس حميمًا كما يشتهي، لكنه كافٍ كي يعي أنه بشري، ليس وحيدًا في رحلة العزلة هذه، ليس وحيدًا في تيهه. بعد فيلم الغريب يأتي المخرج السوري أمير فخر الدين بحكاية أشد تأملًا وأكثر نضجًا بطرحها الميتافيزيقي والروحي، وحتى بعمقها الأسطوري، من أسئلة فيلم الغريب التي تعلقت بالهوية والانتماء بشكلها المباشر ذي التوتر العالي.منير… بطل العزلة الهادئةمنير هو رجل أربعيني، يجسده جورج خباز بحساسية وبأداء يعيار بميزان الذهب، حيث نجا بكل وعيه بأدواته من أي شبهة ابتذال، حيث تصدقه، وتصدق ألمه من ألفه ليائه. دور يحسب لجورج خباز، كما يحسب بانضباطه لتعاون وللكيمياء بين مخرج وممثل. في يونان، يحضر منير على الشاشة، ماشيًا تجاهنا من الهزيمة، من الانكسار، من قصور اللغة، ومن الحرد ربما، ومن رفض التواصل، كما لو أنه بفعل الانغماس بالعيش، وإكمال العيش، هناك خيانة للغياب.لا حدث كبير في حياة البطل، كونه يتجهز لينهي تلك الحياة. هنا، هو لا يفكر بالانتحار، كما لو أنه تجاوز موضوع التفكير ذاك، ملّه، وحتى أنهاه. هو ذاهب إلى البعيد ليموت، فلا يليق بالموت إلا أن نرمي أجسادنا أيضًا في اللامكان، في الهيولى، حيث لا من ينوح أو يصرخ مولولًا فوق جثثنا. إنه بطل الاختناق الصامت. رجل يعيش حياة شبه متوقفة، يجر جسده كما لو أنه يحمل تاريخًا أثقل منه. عاجز عن الفعل، عن الانخراط، هو هاملت المثقل بالمعارف، يسأل أمه: “لماذا أعرف كل هذا؟”، ماضيه حي ينبض، جرح مفتوح، لم يتحول بعد إلى ماضٍ. ما زال حاضرًا في صوته الداخلي، في حضور الأم المنتشَل من الذاكرة والهلاوس.كيف وُلد الفيلم”يونان” هو الجزء الثاني من ثلاثية سينمائية يعمل عليها أمير فخر الدين حول الهوية والانتماء والاقتلاع. بدأت الثلاثية بفيلم “الغريب” الذي تناول الغربة أيضًا وربما الاغتراب، هو عن العودة المستحيلة إلى المكان الأول، حيث نحن نتغير ولا نستطيع مجاراة الأمكنة والبشر في تغيرهم، أو جمودهم أيضًا، بينما يأتي “يونان” ليغوص أعمق في مرويات الغربة والغرباء، يغوص باحثًا، مدققًا في ما يحدث بعد الاقتلاع، هناك في الحياة التي تستمر بعد انقطاع الجذور، تهشمها بفعل ضربات الزمن وما يفعل بمروره على الأمكنة والأجساد.الفيلم إنتاج أوروبي–عربي مشترك، صُوِّر في ألمانيا، بلغة سينمائية هادئة، تأملية، بعيدة عن أي خطاب سياسي مباشر. وهذا ما مثل الجزء الأساسي من قوته، حيث عبر حكاية يفهمها ويتمثلها الجميع، تحول الفيلم إلى رحلة معارف في النفس، طويلة المدى.الاستقبال عربيًا وعالميًاعرض الفيلم عالميًا لأول مرة في مهرجان برلين السينمائي (Berlinale) ضمن قسم “إنكاونترز” (Encounters)، وهو القسم الذي يحتفي بالأفلام الأكثر تجريبًا وتأملًا في لغة السينما. هذا الظهور وضع الفيلم مباشرة داخل الخريطة السينمائية العالمية بوصفه عملًا فنيًا لا يعتمد على “قضية” بقدر ما يعتمد على رؤية سينمائية متكاملة.”يونان” هو الجزء الثاني من ثلاثية سينمائية يعمل عليها أمير فخر الدين حول الهوية والانتماء والاقتلاع. بدأت الثلاثية بفيلم “الغريب” الذي تناول الغربة أيضًا وربما الاغتراب، هو عن العودة المستحيلة إلى المكان الأولعالميًا، استُقبل الفيلم بوصفه عملًا شديد الحساسية، ينتمي إلى سينما التأمل البطيء، حيث الحدث الحقيقي هو التحول الداخلي للشخصية. كثير من النقاد قرأوه كفيلم عن العزلة الوجودية والهجرة النفسية أكثر من كونه فيلمًا عن اللجوء.أما عربيًا، فقد جاء الاستقبال مختلف النبرة: قُرئ الفيلم كاستمرار لسينما سورية جديدة تحاول الخروج من السرديات المباشرة للحرب نحو أثرها العميق في الإنسان. فيلم عن السوري الذي لم يعد في سوريا، ولم يعد بالكامل في أي مكان آخر.من “الغريب” إلى “يونان”… طريق إلى الإنسانية الأبعدإذا كان “الغريب” فيلم التوتر والاحتكاك المباشر مع سؤال الهوية، فإن “يونان” هو فيلم الصمت بعد العاصفة. أقل صخبًا، أكثر هدوءًا، وأكثر قسوة أيضًا، لأنه يطرح السؤال الأكثر إيلامًا: ماذا يحدث حين تنتهي الحكاية ولا تنتهي آثارها؟في هذا المعنى، يبدو “يونان” فيلمًا عن محاولة النجاة، حتى لو كانت نجاة متواضعة، ناقصة، غير بطولية. نجاة تقوم فقط على إدراك يصله البطل بالطريقة الأصعب: أن الإنسان ليس وحيدًا كما يظن، كونه يعيش بين مجموعة وحيدين خرجوا مثله للحياة من بطن الحوت.# من صفحة المبدعة عبير داغر اسبر# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم