الشكلانية والبنيوية: تقاطعات المفهوم والمنهج في قراءة النص الأدبي
مقدمة
شهد النقد الأدبي خلال القرن العشرين تحولات عميقة أسهمت في تطوير مناهج قراءة النصوص وتحليلها، وكان من أبرز هذه التحولات ظهور الشكلانية الروسية ثم البنيوية التي استندت إلى كثير من منطلقات الشكلانيين وطورتها ضمن إطار معرفي أكثر شمولاً. وقد مثّلت المدرستان منعطفاً حاسماً في الدراسات الأدبية؛ إذ نقلتا الاهتمام من المؤلف والسياقات الخارجية إلى النص ذاته بوصفه بنية مستقلة تستحق الدراسة العلمية. ورغم وجود روابط وثيقة بين الاتجاهين، فإن لكل منهما خصوصيته النظرية والمنهجية التي تميزه عن الآخر. ومن ثمّ تهدف هذه الدراسة إلى إبراز أوجه التقاطع والاختلاف بين الشكلانية والبنيوية من خلال الوقوف عند أسسهما الفكرية ومفاهيمهما الإجرائية ومناهجهما في قراءة النص الأدبي.
أولاً: الشكلانية الروسية وأسسها النظرية
ظهرت الشكلانية الروسية في العقد الثاني من القرن العشرين على أيدي مجموعة من الباحثين والنقاد الروس، من أبرزهم فيكتور شكلوفسكي ورومان ياكوبسون وبوريس إيخنباوم. وقد جاءت هذه المدرسة رداً على المناهج التاريخية والنفسية والاجتماعية التي كانت تفسر الأدب بعوامل خارجية، مؤكدة أن موضوع الدراسة الأدبية ينبغي أن يكون “الأدبية”؛ أي الخصائص التي تجعل من النص عملاً أدبياً.
ركز الشكلانيون على دراسة التقنيات الفنية والبنى اللغوية التي تمنح النص خصوصيته الجمالية، ومن أشهر مفاهيمهم مفهوم “التغريب” الذي صاغه شكلوفسكي، ويقصد به جعل الأشياء المألوفة تبدو غريبة من خلال أساليب التعبير الفني، بما يؤدي إلى تجديد إدراك القارئ للعالم. كما اهتموا بالتمييز بين الحكاية والخطاب، وبين المادة الخام للعمل الأدبي والطريقة الفنية في تنظيمها.
ثانياً: البنيوية ومنطلقاتها الفكرية
نشأت البنيوية في منتصف القرن العشرين متأثرة باللسانيات الحديثة، ولا سيما أفكار فرديناند دي سوسير التي أكدت أن اللغة نظام من العلاقات الداخلية. وقد انتقلت هذه الرؤية إلى النقد الأدبي على أيدي باحثين مثل كلود ليفي ستروس ورولان بارت وتزفيتان تودوروف وجيرار جينيت.
تنظر البنيوية إلى النص الأدبي بوصفه نسقاً من العلاقات المتداخلة، حيث لا تكتسب العناصر معناها من ذاتها، بل من موقعها داخل البنية العامة. ولذلك اهتم البنيويون بالكشف عن القوانين المنظمة للنص والعلاقات التي تربط مكوناته بعضها ببعض، بعيداً عن النوايا الذاتية للمؤلف أو الظروف التاريخية المحيطة بالإنتاج الأدبي.
ثالثاً: أوجه التقاطع بين الشكلانية والبنيوية
تلتقي الشكلانية والبنيوية في عدد من المرتكزات الأساسية، أهمها:
أولاً، التركيز على النص بوصفه موضوعاً مستقلاً للدراسة، والابتعاد عن التفسيرات الخارجية المرتبطة بسيرة المؤلف أو البيئة الاجتماعية.
ثانياً، السعي إلى إضفاء الطابع العلمي على الدراسات الأدبية من خلال البحث عن القوانين والأنظمة التي تحكم بناء النص.
ثالثاً، الاهتمام بالبنية الداخلية للعمل الأدبي وتحليل العلاقات القائمة بين عناصره.
رابعاً، الاستفادة من الدراسات اللسانية في تطوير أدوات تحليل النصوص الأدبية.
ومن ثم يمكن اعتبار البنيوية امتداداً وتطويراً لكثير من المبادئ التي أرستها الشكلانية الروسية، وإن كانت قد تجاوزتها نحو أفق نظري أكثر شمولاً.
رابعاً: أوجه الاختلاف بين الشكلانية والبنيوية
على الرغم من التقاطعات العديدة بين الاتجاهين، فإن هناك فروقاً جوهرية تميز أحدهما عن الآخر.
فالشكلانية اهتمت أساساً بدراسة الوسائل الفنية والإجراءات الأسلوبية التي تمنح النص أدبيته، بينما انصرفت البنيوية إلى دراسة العلاقات النسقية التي تنتظم تلك العناصر داخل بنية كلية.
كما ركز الشكلانيون على الخصائص الجمالية للنص وعلى مفهوم الأدبية، في حين سعت البنيوية إلى الكشف عن الأنساق العميقة والقواعد الكامنة التي تتحكم في إنتاج المعنى.
ومن جهة أخرى، ظل اهتمام الشكلانية منصباً على النصوص الأدبية أساساً، بينما اتسع المشروع البنيوي ليشمل مجالات معرفية متعددة كعلم الإنسان والسيميائيات والسرديات والأساطير.
خامساً: أثر المدرستين في النقد الأدبي الحديث
أسهمت الشكلانية في إرساء أسس التحليل النصي الحديث، وقدمت مفاهيم أصبحت لاحقاً جزءاً من الجهاز الاصطلاحي للنقد الأدبي، مثل الأدبية والتغريب والحبكة والخطاب السردي. أما البنيوية فقد وسعت نطاق البحث الأدبي وربطته بمختلف العلوم الإنسانية، وأسهمت في ظهور مناهج جديدة مثل السيميائيات وتحليل الخطاب والسرديات.
كما أن كثيراً من الاتجاهات النقدية اللاحقة، كالتفكيكية والتداولية ونظريات التلقي، نشأت في حوار مباشر مع البنيوية، سواء بالتطوير أو بالمراجعة أو بالنقد.
خاتمة
تكشف المقارنة بين الشكلانية والبنيوية أن العلاقة بينهما علاقة تواصل أكثر منها علاقة قطيعة؛ فالبنيوية أفادت من منجزات الشكلانية وطورتها ضمن إطار نظري أكثر اتساعاً. وإذا كانت الشكلانية قد سعت إلى تحديد عناصر الأدبية والكشف عن آليات البناء الفني للنص، فإن البنيوية انشغلت بدراسة البنى والعلاقات التي تنتج المعنى داخل النسق النصي. ومن ثم شكّل الاتجاهان معاً مرحلة مفصلية في تاريخ النقد الأدبي الحديث، وأسهما في ترسيخ القراءة العلمية للنص الأدبي وإغناء أدوات التحليل النقدي المعاصر.
المراجع
- رومان ياكوبسون، قضايا الشعرية، ترجمة محمد الولي ومبارك حنون.
- تزفيتان تودوروف، مفهوم الأدب ودراسات أخرى.
- صلاح فضل، نظرية البنائية في النقد الأدبي.
- عبد السلام المسدي، الأسلوبية والأسلوب.
- يوسف وغليسي، مناهج النقد الأدبي.
- محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري: استراتيجية التناص.
- رولان بارت، نقد وحقيقة.
- جيرار جينيت، خطاب الحكاية.
#السارد الحسين اقديم#مجلة ايليت فوتو ارت..


