من محمد راغب الطباخ
إلى فايز قوصرة
مؤرخ صان الذاكرة
وحفيد واصل المسيرة
د.جمال العبد الله
حين يتحول الاهتمام بتاريخ المدينة إلى مشروع حياة
مقدمة لا بد منها
كانت معرفتي بالمرحوم فايز قوصرة في جمعية العاديات ومرافقته لاعضائها في رحلات سياحية اثرية كان هو المرجع فيها. وقد تأثرت وقتها حوالي عام 2000 عندما حدثني عن اقامته في رومانيا ووفاة زوجته الاجنبية وبقاء طفله الوحيد منها يتيما.
وآخر مرة رايته فيها مع عائلته في ادلب المدينة عام 2024 قبل وفاته بحوالي شهرين
هذه الذكرى والتذكير به مهداة الى روحه
الجزء الأول:
محمد راغب الطباخ وتأسيس الذاكرة التاريخية لحلب
عندما نتحدث عن المؤرخين الذين أسهموا في حفظ الذاكرة التاريخية للمدن السورية، يبرز اسم محمد راغب الطباخ (1877–1951) بوصفه واحدًا من أبرز المؤرخين الذين ارتبط مشروعهم العلمي ارتباطًا وثيقًا بالمدينة التي عاشوا فيها.
لم يكن الطباخ مؤرخًا لحلب بالمعنى الجغرافي الضيق، وإنما كان صاحب مشروع واسع لتوثيق الحياة العلمية والثقافية والاجتماعية للمدينة. وقد تميز مشروعه بجمع المادة التاريخية من مصادر متعددة، وفي مقدمتها المخطوطات والوثائق وكتب التراجم والروايات المحلية، ثم ترتيبها وتقديمها في صورة يمكن للباحثين الرجوع إليها.
ومن هنا تأتي أهمية كتابه الأشهر:
«إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء».
فالكتاب، في أجزائه السبعة، لا يقدم سردًا سياسيًا لتاريخ حلب فحسب، وإنما يرصد جوانب متعددة من حياتها؛ فيتتبع العلماء والأدباء والمدارس والمساجد والمؤسسات والأحياء والشخصيات، ويقدم مادة غنية عن التحولات التي شهدتها المدينة عبر قرون طويلة.
وهذه النقطة مهمة في تقييم تجربة الطباخ؛ لأنه لم ينظر إلى التاريخ باعتباره سلسلة من الأحداث السياسية الكبرى، بل تعامل معه بوصفه تاريخًا للمجتمع والمدينة والإنسان.
المؤرخ والمحقق والناشر
تتجاوز أهمية الطباخ مؤلفاته التاريخية. فقد كان عالمًا ومدرسًا ومحققًا وناشرًا، وتولى إدارة المدرسة الخسروية، وأسهم في النشاط العلمي والثقافي في حلب، وأنشأ المطبعة العلمية.
وهذا الجانب من سيرته يكشف طبيعة مشروعه بصورة أوضح.
فهو لم يكن يجمع المادة التاريخية من أجل تأليف الكتب فقط، وإنما كان يعمل على إنتاج المعرفة ونشرها وتكوين البيئة العلمية التي تستمر فيها.
وبذلك يمكن النظر إلى الطباخ بوصفه صاحب مشروع ثقافي متكامل: جمعٌ للمصادر، وتحقيقٌ للنصوص، وتأليفٌ في التاريخ، وتعليمٌ، ونشرٌ للكتب.
ولهذا فإن مكانته في تاريخ حلب لا تستند إلى كتاب واحد، مهما بلغت أهميته، وإنما إلى مجموع هذا النشاط الذي جعل منه أحد أبرز حفظة الذاكرة العلمية والثقافية للمدينة.
من تاريخ المدينة إلى مسؤولية المثقف
تكمن إحدى أهم سمات تجربة الطباخ في ارتباط العمل العلمي لديه بالمسؤولية تجاه المكان.
فقد كان يرى أن تاريخ المدينة معرض للضياع إذا لم تُجمع مصادره وتُدرس وتُنشر. وفي زمن لم تكن فيه وسائل التوثيق الحديثة متاحة، كان الاعتماد على المخطوطات والوثائق والروايات الشفوية والمصادر المحلية يتطلب جهدًا كبيرًا وصبرًا طويلًا.
ولهذا فإن مشروعه لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد اهتمام شخصي بتاريخ حلب، بل باعتباره نموذجًا مبكرًا لما يمكن تسميته اليوم بناء الذاكرة المحلية الموثقة.
لقد أراد أن يجعل تاريخ حلب متاحًا للأجيال اللاحقة، وأن ينقل المعرفة المتعلقة بها من نطاق التداول المحدود إلى نطاق الكتاب المنشور والمرجع العلمي.
الجزء الثاني: فايز قوصرة وإدلب بوصفها مشروعًا للتوثيق
ولد فايز عبد القادر قوصرة في إدلب عام 1945، ونشأ في أسرة ارتبطت بالعلم والثقافة، وكان أبرز تأثير عائلي في مسيرته جده لأمه، المؤرخ الحلبي محمد راغب الطباخ.
وقد أشار قوصرة بنفسه إلى هذا التأثير عندما قال إن روح جده الطباخ كانت قدوة له.
هذه العبارة مهمة لفهم مسيرته، لا باعتبارها مجرد تعبير عن الاعتزاز بجده، وإنما لأنها تكشف عن انتقال منهج في النظر إلى المدينة من جيل إلى آخر.
فالطباخ جعل حلب محورًا لمشروعه التاريخي، بينما جعل قوصرة إدلب ومحيطها الجغرافي والتاريخي محورًا لعمله.
لكن التشابه بينهما لم يكن في الموضوع وحده، وإنما في النظرة إلى التاريخ المحلي باعتباره مجالًا علميًا يستحق التوثيق المنهجي.
من المكتبة إلى الميدان
اختلفت طبيعة عمل قوصرة عن طبيعة عمل جده بسبب اختلاف العصر والموضوع وأدوات البحث.
كان الطباخ يعتمد بدرجة أساسية على المخطوطات والوثائق والمصادر المكتوبة.
أما قوصرة فقد جمع بين البحث المكتبي والعمل الميداني.
عمل في المجال الصحفي والثقافي، وأسهم في تأسيس فرع جمعية العاديات في إدلب، وشارك في تنظيم الرحلات العلمية إلى المواقع الأثرية، كما ارتبط نشاطه بالبعثات الأثرية الأجنبية وأعمال المسح والتوثيق في مناطق واسعة من شمال سورية.
وهذا الجانب الميداني يمثل إحدى أبرز خصائص تجربته.
فإدلب ليست مدينة واحدة ذات مركز تاريخي محدد، وإنما محافظة واسعة تضم عددًا كبيرًا من المواقع الأثرية والقرى القديمة والمدن التاريخية والكنائس والأديرة والمباني التي تنتمي إلى مراحل مختلفة من التاريخ السوري.
وقد أدرك قوصرة مبكرًا أن جزءًا كبيرًا من هذه الثروة لا يزال خارج دائرة التوثيق الكافي.
لذلك لم يكتف بالبحث في الكتب، وإنما اتجه إلى الموقع نفسه.
كان يصور، ويجمع المعلومات، ويتابع المواقع، ويتعرف إلى خصائصها، ويقارن بين ما هو موجود على الأرض وما تذكره المصادر.
وهذه الممارسة جعلت من عمله مزيجًا بين التاريخ والآثار والتوثيق المحلي.
إدلب من خلال كتب قوصرة
انعكس هذا الاهتمام في عدد كبير من الكتب والدراسات التي تناولت تاريخ إدلب ومواقعها الأثرية.
ومن أبرز أعماله:
الرحالة في محافظة إدلب، في جزأين.
من إيبلا إلى إدلب.
إدلب البلدة المنسية.
التاريخ الأثري للأوابد العربية الإسلامية في محافظة إدلب.
وتنسب إليه عشرات الأعمال والبحوث في التاريخ والآثار، كما حصل بعض إنتاجه على تقدير من المؤسسات المتخصصة.
الصحافة في خدمة التاريخ
ومن الجوانب المهمة في تجربة قوصرة الجمع بين الصحافة والتاريخ.
فقد عمل في عدد من الصحف والمجلات، وأسهم في النشاط الثقافي في إدلب، وتولى عام 1986 إدارة تحرير صحيفة «إدلب الخضراء».
وهذا العمل الصحفي أتاح له وسيلة مختلفة للتواصل مع الجمهور.
فالمؤرخ الأكاديمي يخاطب الباحثين غالبًا، بينما الصحفي يستطيع نقل المعرفة التاريخية إلى جمهور أوسع.
ومن هنا كان قوصرة يؤدي وظيفة مزدوجة:
باحث يوثق المادة، ومثقف يعمل على إيصالها إلى المجتمع.
وهذه السمة كانت حاضرة أيضًا في نشاطه في جمعية العاديات، من خلال الرحلات والمحاضرات والتعريف بالمواقع الأثرية.
الجزء الثالث: الطباخ وقوصرة… مقارنة بين مشروعين
عند المقارنة بين محمد راغب الطباخ وفايز قوصرة، ينبغي أولًا تجنب المقارنة الرقمية المباشرة.
فالرجلان عاشا في زمنين مختلفين، وعملا في ظروف معرفية مختلفة، واستخدما أدوات بحث مختلفة.
لذلك فإن السؤال الصحيح ليس:
من كان أفضل؟
بل:
ما طبيعة المشروع الذي أنجزه كل واحد منهما، وما أثره في مدينته؟
أولًا: الطباخ ومشروع التوثيق الشامل
يمتاز مشروع محمد راغب الطباخ باتساعه العلمي.
فهو لم يكن متخصصًا في جانب واحد من تاريخ حلب، وإنما عمل على بناء صورة واسعة للمدينة، تجمع بين التاريخ والعلم والأدب والتراجم والمؤسسات والمجتمع.
كما أن نشاطه لم يتوقف عند التأليف، بل شمل التعليم والتحقيق والنشر.
ولهذا يمكن القول إن الطباخ قدم لحلب مشروعًا تاريخيًا وثقافيًا متكاملًا.
وأهميته لا تنحصر في المعلومات التي جمعها، وإنما في أنه جعل هذه المعلومات قابلة للاستمرار والرجوع إليها من قبل الباحثين.
2.قوصرة ومشروع التوثيق الميداني
أما قوصرة فكانت قوته الأساسية في التوثيق الميداني.
لقد تعامل مع إدلب بوصفها فضاءً تاريخيًا واسعًا، وليس مجرد مدينة.
وكان اهتمامه منصبًا بدرجة كبيرة على الآثار والمواقع القديمة والقرى التاريخية والمدن المنسية، مع اهتمام موازٍ بالتاريخ الحديث والشخصيات والأحداث.
وبهذا المعنى، فقد أدى دورًا مهمًا في تعريف المجتمع الإدلبي بتراث محافظته، وفي تسجيل عدد كبير من المواقع والمعلومات التي تحتاج إلى من يتابعها ميدانيًا.
- ما الذي جمع بينهما؟
رغم اختلاف الأدوات، فإن هناك ثلاث نقاط أساسية تجمع الرجلين:
1.ارتباط البحث بالمكان.
لم يكن أي منهما مؤرخًا بعيدًا عن موضوعه؛ فالمكان كان مركز اهتمامه. - توسيع مفهوم التاريخ.
لم يقتصر اهتمامهما على الحكام والمعارك والأحداث السياسية، وإنما امتد إلى العلماء والمجتمع والعمارة والآثار والمؤسسات والأحياء والقرى. - تحويل المعرفة إلى خدمة عامة.
فالطباخ مارس التعليم والتحقيق والنشر، وقوصرة مارس الصحافة والمحاضرة والرحلات الميدانية والنشاط الثقافي.
فمن كان أكثر فضلًا على مدينته؟
هنا يمكن تقديم حكم أكثر تحديدًا.
إذا كان معيارنا هو القيمة العلمية الشاملة، وعمق التأليف، واتساع المشروع، والتأثير في الدراسات التاريخية اللاحقة، فإن الكفة تميل بوضوح إلى محمد راغب الطباخ.
فمشروعه الموسوعي في تاريخ حلب، إلى جانب نشاطه العلمي والتعليمي والتحقيقي والنشري، جعله واحدًا من كبار المؤرخين المحليين في سورية في العصر الحديث.
أما إذا كان معيارنا هو التوثيق الميداني للتراث المحلي في النصف الثاني من القرن العشرين، وتعريف أبناء إدلب بآثار محافظتهم، والجمع بين الصحافة والعمل الثقافي والبحث الأثري، فإن لفايز قوصرة مكانة خاصة يصعب تجاهلها.
وبالتالي فإن القول بأن الطباخ كان أعظم مشروعًا لا ينتقص من قيمة قوصرة.
بل على العكس؛ لأن فضل قوصرة يظهر بصورة أوضح عندما نضعه في سياقه الصحيح.
لقد ورث من جده الفكرة لا القالب.
فالطباخ لم يورثه كتابًا يكرر محتواه، وإنما أورثه قناعة بأن المدينة تحتاج إلى من يوثق تاريخها.
ولهذا كتب الطباخ عن حلب، وكتب قوصرة عن إدلب.
خاتمة
تشكل سيرة محمد راغب الطباخ وفايز قوصرة نموذجًا لعلاقة المثقف بمكانه.
فالمدن لا تحفظ تاريخها بنفسها.
إنها تحتاج إلى أفراد يكرسون جزءًا كبيرًا من حياتهم لجمع هذا التاريخ وتوثيقه ونشره.
وقد قام الطباخ بهذه المهمة بالنسبة إلى حلب في النصف الأول من القرن العشرين، بينما قام قوصرة بمهمة مشابهة بالنسبة إلى إدلب في النصف الثاني منه.
لم يكن الاثنان متطابقين، ولم يكن مشروع أحدهما نسخة من الآخر.
الطباخ كان ذو مشروعًدع وعميق من الناحية العلمية والمؤسسية.
أما قوصرة فكان أبرز من حملوا عبء التوثيق الأثري والتاريخي لإدلب ميدانيًا وشعبيًا في عصره.
وإذا أردنا اختصار العلاقة بينهما في جملة واحدة، فيمكن القول:
الطباخ كتب تاريخ حلب، وقوصرة حاول أن يكتب ذاكرة إدلب.
لم تكن قدوة الطباخ بالنسبة إليه في أن يصبح نسخة منه، وإنما في أن يدرك أن للمثقف مسؤولية تجاه المكان الذي ينتمي إليه.
أن أفضل ما يمكن أن يورثه المؤرخ لمن يأتي بعده ليس كتابًا فحسب، وإنما وعيٌ بأن الذاكرة مسؤولية.
