ترجم وقدم شاكر لعيبي مقالا عن الفن الشعري لدى الشاعر الفيلسوف الالماني هولدرين

الفنّ الشعريّ حسب هولدرلين Hölderlin
ترجمة وتقديم: شاكر لعيبي

هولدرلين: شاعر وفيلسوف ألمانيّ (1770 – 1843). تلقّى تعليمًا دينيًا. ففي عام 1788 درس اللاهوت في معهد مدينة توبنغن. لكنه كان شغوفاً بالأدب. تركت الثورة الفرنسية في نفسه أثراً عميقاً. اشتغل مدرِّساً خاصاً لكسب قوته ابتعاداً عن التكرّس للاهوت. بين عامي 1797 و1799 ظهر الجزء الأول من روايته “هيبريون”، واشتغل على مسرحية “موت إمبيدوقلس”. في العربية تَرْجمَ لهولدرلين عبد الغفار مكاوي وفؤاد رفقة وحسن حلمي وأمارجي وبهجت عباس، وغير ذلك من ترجمات متفرّقة في الدوريات العربية.
تفصيل صغير في حياة هولدرلين قد يستوقف المعنيّ: إنه عاش حتى وفاته في بيت نجّار كان قد كفل رعايته، فكرّس له مكاناً على نهر النيكار أُطلِقَ عليه برج أو صومعة هولدرلين، وهنا قد يجد المعنيّ مفتاحاً لفهم انشغال الشاعر بمشكلة (السكن) الوجودية التي سنتوقف عندها في السطور القادمة.
(حول الفن الشعريّ)
“الإنسانُ يَقْطن شاعراً”.
الجملة بالأصل بيتٌ في قصيدة لهولدرلين، ولكن ليس بالضبط بالصيغة أعلاه. الصيغة المعروفة هذه هي عنوان محاضرة لهايدغر تحت عنوان: “l’homme habite en poète” ألقاها عام 1951 وهي التي ترجمناها بـ (الإنسان يَقْطن شاعراً). يُمثل هذا البيت الشعريّ، حسب هايدغر، القرابة الحميمة بين الشاعر والفيلسوف، والشعر والفلسفة، فإن محاضرته هي تأمّل في “السكن” الذي يندرج في “تشابُك” ما يدعوه هايدغر “[الجهات] الأربع للعالم”: السماء والأرض والإلهي والفاني. تُترجَم جملة هولدرلين: “يُقِيمُ الإنسان في العالم شعرياً”. وهي من قصيدة يقول فيها:
“بكامل الجدارة، لكن شعرياً،
يسكن الإنسان هذه الأرض.
يا للروعة: [يكون] السكن شعريّا أو لا يكون [شعرياً]!
وهو ما نترجمه بدورنا عن الترجمة الفرنسية:
Plein de mérite, mais poétiquement,
habite l’homme sur cette terre.
C’est magnifique : l’habitation est poétique ou n’est pas!
الذي ترجمه مترجم فرنسي آخر هكذا:
“Plein de mérites, mais
l’homme habite poétiquement sur cette terre”
أما الترجمة العربية للبيتين الأولين، فمنها للمترجم العربيّ عزيز الحكيم:
“مُفْعَمَاً بالجَدَارات، لكن شعرياً
يُقِيمُ الإنسان فوق هذه الأرض”.
ويزوّدنا الحكيم العارف بالألمانية (التي لا نتقنها) بالجملة الأصلية “شعرياً يُقِيمُ الانسان (dichterisch wohnt der mensch)”.
الجملة في سياقها، حسب صديق آخر عارف بالألمانية، هي:
Voll Verdienst, doch dichterisch wohnet
Der Mensch auf dieser Erde
وقد ترجَمَها بنفسه، مثلما فعل المترجم الفرنسيّ: “بجدارة عالية، يعيش شعرياً – الإنسان على هذه الأرض”.
المشكلة هي التالية: جملة هولدرلين المعروفة في العربية هي بالأحرى تأويل هايدغر وعنوان مداخلته. أما الفارق بين الفعلين العربيين (يعيش) و(يسكن)، فهو جوهريّ وحاسم. هايدغر وهولدرلن يتحدثان عن فعل (السكن) في (مَسْكِن، منزل) التي تؤدّي إلى دلالات عزيزة على قلب هايدغر وجميع الفلسفة الألمانية تقريباً. ذلك أن فعل “السكن” الألمانيّ (Wohnhäuser) متصل بالبناء، بالإنشاء وبالعمارة، مثل اتّصال الفعل العربيّ، سَكَنَ، اشتقاقياً، بـ (المَسْكِن) الذي ليس فقط “مكاناً للعيش” إنما هو “فضاء معماريّ”. هذا ما يعرفه حتى غير العارف باللغة الألمانية، المشغول بجماليات العمارة.
(الإنسان يقطن شاعراً) محاولة للاقتراب من السكن ومن الدلالات المُسْتحدَثة في عبارة هايدغر المستعارة من هولدرلن، وهي بالمناسبة عبارة استخدمها الفرنسيون في مقام آخر، فكتب أحدهم وفق بنيتها (الإنسان لا يقطن شاعراً فقط، إنه يقطن أيضاً روائياً) = L’homme n’habite pas seulement en poète, il habite aussi en romancier).
°°°°°
“الهارمونيّة في أغاني الأشجار كانت أمّي، وبين الأزهار تعلمتُ أن أحِبَّ”.
°°°°°°
“الجَمالُ شأنٌ خاصٌّ بالأطفال”.
°°°°°°
“الإنسانُ ربٌّ عندما يَحْلُم، وشحّاذٌ عندما يُفكِّر”.
°°°°°°
“اكتبْ لي بالأحرى بلا زلّة. أحتاجُ إلى تصويتٍ صافٍ. ولادة الفكرة في المُحادَثة والمُراسَلة ضروريّ للفنانين”.
°°°°°°
“طفل الجَمال الأوّل، طفل الجَمال الإنسانيّ الأوّل، الجَمال الإلهيّ هو الفن. ففيه يستعيد الإنسانُ الإلهيّ شبابه ويتجّدد. يودّ الإنسان امتلاك وعي نفسه، إذن فهو يمنح جَماله الخاص وجوداً خارج نفسه”.
°°°°°
“ما يبقى إنما هو عمل الشعراء”.
…………………….

مادة منشورة في جريدة “بين نهرين” اليوم 9 جانفي – كانون الثاني 2018.

#شاكر لعيبي#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم