تراجع تدريجي للذات الأنثوية في السينما تراجع دور الام كحالة مقدسة.

الأمّهات في الفن السابع… لا ملائكة ولا شياطين!

شفيق طيارة

تشهد السينما العالمية تحوّلاً في تمثيلها لتيمة الأمومة. إذ ركّزت أفلام 2025 على اكتئاب ما بعد الولادة، وضغط رعاية طفل مريض في ظلّ ظروف معيشية طارئة، وتآكل تدريجي للذات الأنثوية بسبب الإرهاق، وأمّهات يقرّرن الإبقاء على الطفل أو التخلّي عنه للتبنّي أو حتّى… قتله!في أحد المشاهد الذي كان يُعد يوماً ما ذروة الحساسية البصرية، تظهر شخصية في حقل مترام، تمرّر أصابعها على سنابل القمح أو زهور برّية أو أعشاب طويلة تتمايل مع الريح.الكاميرا، كما لو أنها تخجل من اكتمال الجسد، تقطع رأسها وقدميها، وتتركنا مع جذع ويد تتحرك في ضوء ذهبي يتسرّب بين الأوراق. كلّ شيء يلمع، الغبار والهواء، وحتى الحركة البطيئة تحاول إقناعنا بأنّ الزمن هنا أكثر رهافة.اشتهرت هذه الصورة في فيلم «المصارع» (2000 ـــــ Gladiator)، لكننا نراهن على أن ترنس ماليك صوّرها بالفعل في فيلم «أيام الجنّة» (1978ــــDays of Heaven)، وأعاد تصويرها مراراً حتى أنهكه التعب في فيلم «شجرة الحياة» (2011 ــــ The Tree of Life). ورأينا أيضاً الممثلة ديلان بن تفعلها في فيلم «يوم العَلَم» (2021، «Flag Day») لشون بن.في فيلم «مت، حبيبي» (2025 ــــDie My Love)، ثمة منعطف جديد مثير، غرايس (جنيفر لورانس) التي تداعب القمح، تحمل سكيناً ضخماً بين أصابعها. وهكذا يتحوّل الرمز الكئيب والمتسامي إلى بُعد عنيف وغريب، يكاد يكون جنونياً. لم تكن لين رامزي، مخرجة الفيلم، ممّن يترددن في قول الحقيقة. المشهد بمنزلة إعلان. سكين في الأصابع وبين الأسنان يعكس وجوداً بركانياً… وجود أمّ شابة تنحدر إلى الجنون بعد الولادة.«مت، حبيبي» المقتبس عن رواية بالاسم نفسه للكاتبة أريانا هارفيتش، يصوّر امرأة عالقة بين الرغبة والأمومة وعلاقة تتفكك ببطء. بعيداً من أي صورة رومانسية مثالية، يقدم الفيلم الأمومة والحبّ كقوة فوضوية عنيفة ومتناقضة. كاميرا رامزي تراقب وتصرّ وتُثير القلق، فهي لا تسعى إلى الإرضاء، بل إلى تقديم نظرتها الحادة والصريحة لاكتئاب ما بعد الولادة. لكن رامزي لا تُبدي أي اهتمام بعلم النفس. هدفها خلق القلق والرعب اللذين تشعر بهما هذه الأم الجديدة.قبل 14 سنة تقريباً، قدمت رامزي «نحتاج للتحدث عن كيفن» (2011 ــــWe Need to Talk About Kevin)، وهو استكشاف مخيف للشرّ والأمومة. حكاية عبثية عن الذنب والأولاد السيئين للآباء الصالحين والشخص المُلام عن أفعال مراهق مضطرب نفسياً. وبالطبع، إنّها الأم!لم يكن فيلم رامزي العمل الوحيد الذي واجه الأمومة بجرأة. لقد بدا كأن سينما 2025 بأكملها ترفع لافتة غير معلنة: هنا، الأمومة ليست مرحلة ناعمة في دورة الحياة، بل أزمة وجودية، واختبار قاس للهوية، وللذاكرة، وللجسد نفسه.إذا نظرنا إلى الوراء قليلاً، نكتشف مدى الانقلاب الحاصل. طوال القرن العشرين، صوّرت السينما الأمهات ككائنات مضحّية، نقية، مُخلصة، أيقونات أخلاقية أكثر منها شخصيات مع بعض الاستثناءات في أواخر السبعينيات والثمانينيات، حين قُدمت أفلام عن الشعور بالذنب الذي ينتاب الأمهات اللواتي يحلمن بأن يكنّ أكثر من أمهات، مثل شخصية جوانا (ميريل ستريب) في فيلم «كرامر ضد كرامر» (1979 ــــ Kramer Vs Kramer).مع مطلع القرن العشرين، وسّعت أجيال جديدة من صنّاع الأفلام نطاق تمثيل الأمومة، فانتقل الخطاب من الأمومة كـ«قدر»، إلى الأمومة كـتجربة إنسانية معقّدة، قابلة للشك، وللمساءلة، ولإعادة التعريف. تناولت أفلام 2025 اكتئاب ما بعد الولادة، الضغوط المجتمعية للأم، والانهيارات الصامتة للصحة النفسية خلال الحمل والولادة والتربية، ومعظم الأفلام التي تناولت هذا الموضوع من إخراج نساء. . # صحيفة العرب. # مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم