انهيار العظمة وصدمة الجزاء في مسرحية محاكمة لوكولوس لبرتولت بريشت
تصور هذه المسرحية موقف الناس من لوكولوس القائد العسكري الروماني الذائع الصيت، وذلك بعد موته، وخلال مراسم نقل الجنود لجثته وللنصب التذكاري المذكور فيه إنجازاته – إلى مقبرته، وقليل من الناس رأوا أن لوكولوس قد أفاد روما في توسيع مستعمراتها، وجلب كثير من العبيد والجواري لها، في حين أن أكثر الناس – لا سيما من البسطاء – قد كانوا غير متعاطفين مع لوكولوس، ورأوا أنه أسرع بإرسال أبنائهم إلى العالم الآخر من خلال الحروب الكثيرة التي خاضها في أوروبا وآسيا.
وإذا كنا قد رأينا تباين موقف الناس من لولكولوس خلال جنازته وحمل جثته لمقبرته – مع تصاعد أصوات المهاجمين له عن المؤيدين له – فإننا نرى حال لوكولوس مختلفا تماما حين يوضع في مقبرته مع نصبه التذكاري، ويستعد لمحاكمته في العالم الآخر، وقد صور بريشت العالم الآخر في هذه المسرحية من خلال اعتقاد الإغريق والرومان عنه.
ويظهر بريشت في العالم الآخر بملابسه العسكرية، ويستغرب من أنه لا أحد يستقبله فيه، ويقول: إنه كان خلال حياته يحتفى به، ويعد لاستقباله أعظم استقبال، فكيف يهمل استقباله هكذا!
ويكون لحديث امرأة عجوز في هذه القاعة أثر واضح في تهدئة غضب لوكولوس، عندما تعرفه أن هذا العالم الآخر مختلف عن الحياة الدنيا، وأن القاضي والمحلفين الذين معه لا يهمهم عظمة الإنسان في حياته الدنيا بقدر ما يهمهم مدى نفعه لغيره، كما أن أكثر شيء يحطون به من قدر من يحاكمونه أن يكون سببا في موت غيره من البشر دون وجه حق.
ولا ينتظر لوكولوس طويلا خلال محاكمة هذه المرأة، فهي لم تتسبب في ضرر أحد؛ ولذلك ذهب بها لجنات إيليزيا، ودخل لوكولوس على هذه المحكمة، واستغرب من عدم تقدير القاضي والمحلفين بها لشخصه، فطلب إلى القاضي والمحلفين بها أن يأتوا من جنات إيليزيا بقائد عظيم كالإسكندر؛ ليتحدث عن أمجاده، وتكون صدمة لوكولوس أن الإسكندر لا يوجد في جنات إيليزيا، وعند ذلك يطلب إحضار النصب التذكاري الذي يعرض أمجاده الكبرى؛ ليكون خير متحدث عن عظمته وأمجاده، ويؤتى بهذا النصب في تلك المحكمة، ويأمر القاضي كل الصور التي في هذا النصب التذكاري أن تتكلم، فتتكلم، وعند ذلك يصدم لوكولوس صدمة أخرى بأن كل الأشخاص الذين في هذا النصب أدانوه، ومنهم أميرة فيينا التي أسرها جنود لوكولوس بعد أن اغتصبوا كل جواريها، وملك أسره لوكولوس واغتصب بلاده، وجنديان من جنود لوكولوس ماتا خلال حروبه الاستعمارية بعيدين عن أهلهما، ولا يوجد في هذا النصب ما يمتدح به لوكولوس غير شجرة الكرز التي أتى بها من آسيا؛ لتستنبت في أوروبا.
وبهذا رأينا أن عظمة لوكولوس التي كان يظنها في نفسه قد تبخرت خلال حسابه في هذه المحاكمة، فكل ما اعتبره مجدا عظيما له، كان على حساب أنفس سفكها بدون وجه حق وبلاد احتلها جنوده غصبا، وسلبوا خيرات أهلها، واستعبدوهم.
ويكون سوء الجزاء على لولوكولوس بعد تلك المحاكمة العادلة في أن يجمع كل المحلفين – وهم من بسطاء الناس – على دخول لوكولوس عالم هاديس المظلم؛ جزاء له على التدمير والتخريب الذي تسبب فيه خلال حياته على الأرض.
وقد كتب بريشت هذه المسرحية معارضا بها الحروب التي تشنها بعض البلاد رغبة في احتلال بلاد أخرى، ونهب ثرواتها، وكان يرى أن قادة هذه البلاد التي تسعى لمثل هذه الحروب لا يستحقون أي عظمة، بل هم شر على البشرية، ويجب كبح شرورهم ما أمكن ذلك.
،#علي خليفة# المسرح العالمي#مجلة ايليت فوتو ارت.


