الرسالة المرسلة من ملك قبرص إلى ملك أوغاريت: تحذير من الغزو الوشيك.. عندما صمتت ألواح الطين ..
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
في سياق الأحداث التاريخية التي شهدتها مملكة أوغاريت في أواخر عهدها وتحديدا في عام 1200ق.م .تُعدُّ مجموعة من الرسائل الأوغاريتية المكتشفة في موقع فرن الشي داخل قصر أوغاريت من أبرز الوثائق التي تكشف عن العلاقات المتشابكة بين مملكة أوغاريت ودول أخرى في المنطقة فضلاً عن التهديدات التي كانت تواجهها تلك المملكة العريقة في أواخر فترتها.
واحدة من هذه الرسائل تبرز بشكل خاص نظراً لمحتواها الخطير والذي يتنبأ بهجوم وشيك على مملكة أوغاريت من قِبل شعوب البحر.
في العام 1972، خلال الحفريات الأثرية التي جرت في أوغاريت تم العثور على لوح فخاري يحمل رسالة من إشوارو أحد كبار المسؤولين في مملكة آلاشيا (قبرص) إلى ملك أوغاريت عمورابي وهو آخر ملوك المدينة. الرسالة التي تحمل الرقم “RS 20.18” تحمل في طياتها تحذيرًا شديدًا من هجوم مرتقب من قبل شعوب البحر تلك القوى المتنقلة التي كانت تشكل تهديدًا كبيرًا للمدن الساحلية في شرق البحر الأبيض المتوسط.
فحوى الرسالة
الرسالة تبدأ بتوجيه خطاب من إشوارو إلى الملك الشاب عمورابي، وتبدأ بعبارة “أبي” وهو ما قد يدل على العلاقة الخاصة بين القائدين أو ربما يعكس صغر سن ملك أوغاريت في تلك الفترة:
“إلى الملك عمورابي أبي
لقد وصلتني الأخبار المقلقة حول تحركات الأعداء الذين هاجموا بعض المدن الساحلية وسفناً تابعة لمملكة أوغاريت وأستطيع أن أؤكد لك أن هذه التحركات ليست إلا بداية لموجة جديدة من الاعتداءات. هؤلاء المعتدون من شعوب البحر استعدوا الآن لشن هجوم واسع باستخدام عشرين سفينة. إن الوضع بات خطيرًا وعليه فإنني أنصحك بأن تباشر في اتخاذ التدابير الوقائية بشكل عاجل.
يجب عليك تقوية أسوار المدينة وتحضير جنودك وعرباتك الحربية للدفاع عن المملكة. لا تدع الأعداء يأتونك بغتة بل كن مستعدًا بكل الوسائل الممكنة.”
التحليل التاريخي للرسالة
تُظهر هذه الرسالة بوضوح أن المملكة كانت في وضع حرج حيث كانت هناك تهديدات متزايدة من شعوب البحر الذين كانوا يعتبرون من أبرز التحديات العسكرية التي واجهتها مدن الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط في تلك الحقبة.
يشير النص إلى أن الأعداء قد قاموا مسبقًا بتدمير بعض المدن الساحلية وأنهم كانوا يهاجمون السفن التجارية التابعة لأوغاريت. علاوة على ذلك، يبدو أن الاعتداءات كانت قد بدأت بالتزايد في الآونة الأخيرة مما دفع إشوارو إلى إرسال هذا التحذير الملح إلى ملك أوغاريت.
تُظهر النصوص الأوغاريتية المكتشفة أن المملكة كانت تتمتع بعلاقات قوية مع عدة دول أخرى في منطقة البحر الأبيض المتوسط بما في ذلك مصر وقبرص والمدن الإيجية. ومع ذلك كانت أوغاريت تواجه في ذلك الوقت تهديدًا داخليًا وخارجيًا يتمثل في شعوب البحر الذين قاموا بغزوات متعددة على المدن الساحلية في تلك المنطقة.
وتُعد هذه الرسالة من إشوارو بمثابة مرآة تعكس اللحظات الأخيرة التي مرت بها مملكة أوغاريت قبل دمارها. الملك عمورابي الذي كان لا يزال شابًا واجه ضغطًا هائلًا لحماية مملكته من قوى كانت تتفوق عليه في القوة العسكرية. ويظهر من الرسالة أن إشوارو كان يوصي الملك الأوغاريتي باتخاذ تدابير دفاعية متكاملة، مثل تعزيز الأسوار وتدريب الجنود، والتحضير للأسوأ.
يبدو أن هذه التوجيهات كانت قد أُخذت على محمل الجد، ولكنها كما توضح العديد من النصوص الأوغاريتية المكتشفة لم تكن كافية لصد الهجوم الكبير الذي تعرضت له المملكة.
وتشير الأدلة الأثرية إلى أن العديد من المدن القريبة من الشاطئ قد تم تدميرها بالكامل بينما تعرضت مدينة أوغاريت نفسها لهجوم مدمر أفضى إلى سقوطها نهائيًا.
فرضية نهاية مملكة أوغاريت حيث أقترح
العديد من الباحثين والآثاريين أن شعوب البحر كانت المسؤولة عن التدمير النهائي لمدينة أوغاريت خاصةً عندما تتزامن رسائل مثل هذه مع الحروب الكبرى التي خاضتها المدن الساحلية في تلك الفترة. الملك عمورابي الذي كان شابًا في تلك الحقبة فقد على الأرجح حياته أو عرشه في تلك الكارثة مما أفضى إلى سقوط المملكة بشكل مفاجئ.
إن هذا التحليل التاريخي للنصوص الأوغاريتية يعزز فرضية أن شعوب البحر كانت السبب الرئيسي وراء انهيار أوغاريت وأن الهجوم المدمر الذي دمر المدينة وحضارتها كان له تأثيرات بعيدة المدى على المنطقة.
فبالرغم من الحفريات الأثرية المكثفة والبحوث التي أجريت حول هذه الحقبة المظلمة في تاريخ أوغاريت لا يزال الغموض يحيط بالأسباب الدقيقة لدمار المدينة. ولكن ربما تساهم المزيد من الاكتشافات المستقبلية في حل اللغز المتبقي حول نهاية المملكة الأوغاريتية.
ومع مرور الزمن ظلت هذه الرسائل شاهدة على إحدى أفظع الكوارث التي ألمت بأوغاريت والتي كان من الممكن أن تغير مجرى تاريخ منطقة البحر الأبيض المتوسط بالكامل. ورغم أن العديد من المؤتمرات والندوات العلمية الدولية تم تخصيصها لدراسة هذا الموضوع المأساوي فإن النقاش لا يزال مفتوحاً حول الأسباب الكامنة وراء دمار أوغاريت.
ربما تأتي الأيام القادمة بأسرار جديدة تفسر لنا ما حدث حقاً في العام الذي وقع فيه الدمار. وبينما تنتظر البشرية أن تُفتح مغاليق التاريخ تظل أوغاريت حاضرة في الذاكرة مدينة عريقة أخذت معها أسرارها حين اختفت بين ضباب الزمان تاركة وراءها إرثاً عظيماً في صمتها..
عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎


