العظام والاستجابة للتوتر
«عند مواجهة خطر مفاجئ، يتسارع نبض القلب وتصبح وتيرة التنفس أسرع، كما يتم ضخ الوقود -على شكل جلوكوز- في جميع أنحاء الجسم استعداداً للهروب أو القتال…
ويُعتقد أن هذه التغيرات الفسيولوجية -التي تشكل استجابة “الكر والفر” (أو القتال أو الهروب) لدى البشر- تبدأ فور إدراك الدماغ للخطر؛ إذ يصدر الدماغ أمراً للهيكل العظمي بضخ هرمون “أوستيوكالسين” (osteocalcin) في مجرى الدم، وهو هرمون ضروري لتفعيل استجابة الكر والفر.
يوضح الباحث الرئيسي في الدراسة، الدكتور جيرار كارسنتي (Gérard Karsenty) -وهو طبيب وباحث ومدير قسم الوراثة والتطور في كلية “فاجيلوس” للأطباء والجراحين بجامعة كولومبيا- قائلاً: “لدى الفقاريات العظمية، لا يمكن حدوث استجابة التوتر الحاد دون هرمون الأوستيوكالسين”. ويضيف: “إن هذا يغير تماماً نظرتنا لكيفية حدوث استجابات التوتر الحاد”.
لماذا العظام؟ يقول كارسنتي: “إن النظرة التي تعتبر العظام مجرد مجموعة من الأنابيب المتكلسة هي فكرة راسخة بعمق في ثقافتنا الطبية الحيوية”. لكن قبل نحو عقد من الزمان، طرح مختبره فرضية -وأثبت صحتها- مفادها أن للهيكل العظمي تأثيرات خفية على أعضاء أخرى في الجسم.
وقد كشفت الأبحاث أن الهيكل العظمي يفرز هرمون الأوستيوكالسين، الذي ينتقل عبر مجرى الدم ليؤثر على الوظائف البيولوجية للبنكرياس والدماغ والعضلات وأعضاء أخرى.
وأظهرت سلسلة من الدراسات -أُجريت منذ ذلك الحين- أن الأوستيوكالسين يساعد في تنظيم عملية التمثيل الغذائي (الأيض) من خلال زيادة قدرة الخلايا على امتصاص الجلوكوز، كما أنه يعزز الذاكرة ويساعد الحيوانات على الركض بسرعة أكبر وبقدرة تحمل أعلى.
لماذا إذن تمتلك العظام كل هذه التأثيرات -التي تبدو غير مترابطة- على أعضاء أخرى؟» يقول كارسنتي: “إذا نظرنا إلى العظام باعتبارها تطورت لحماية الكائن الحي من الخطر – فالجمجمة تحمي الدماغ من الصدمات، والهيكل العظمي يتيح للفقاريات الهروب من الحيوانات المفترسة، وحتى عظام الأذن تنبهنا لاقتراب الخطر – فإن الوظائف الهرمونية لبروتين ’أوستيوكالسين‘ (osteocalcin) تبدأ في اكتساب معنى منطقي”. وانطلاقاً من فرضية أن العظام تطورت للمساعدة في النجاة من الخطر، افترض كارسنتي أن الهيكل العظمي لا بد أن يلعب دوراً أيضاً في الاستجابة للإجهاد الحاد، وهي الاستجابة التي يتم تفعيلها عند التعرض للخطر.
يُعد بروتين “أوستيوكالسين” ضرورياً للاستجابة للخطر. وقد تفسر هذه النتائج أيضاً سبب قدرة الحيوانات التي تفتقر إلى الغدد الكظرية، وكذلك المرضى الذين يعانون من قصور في وظائف الغدة الكظرية – أي أولئك الذين لا يملكون وسيلة لإنتاج الأدرينالين أو غيره من هرمونات الغدة الكظرية – على إظهار استجابة للإجهاد الحاد. – نص صادر عن مركز إيرفينغ الطبي بجامعة كولومبيا (Columbia University Irving Medical Center).
Hany Shiva


