تأثير الهالة

علم النفس المعرفي

 للعالم دانيال كانمان الحائز علي جائزة نوبل و تفسير ظاهرة تقديس المشاهير والوعي النقدي وال تحليل السينمائي!!

تقف بعيداً وترى طابوراً طويلاً من البشر يسيرون بحماس واقتناع خلف شخص يضع على رأسه تاجاً من الورق المقوى، والسبب الوحيد لثقتهم العمياء به هو ابتسامته الساحرة وإطلالته الجذابة أمام الكاميرات هذا المشهد العبثي يتكرر يومياً في عالمنا الواقعي، حين نسلم عقولنا طواعية لنجوم ومشاهير، ونعتبرهم حكماء العصر ومراجع لا تقبل الشك في قضايا لا يمتلكون فيها أي خبرة تذكر.

نحن هنا أمام فخ نفسي عميق يطلق عليه علماء النفس “تأثير الهالة” (Halo Effect)

هذا الانحياز المعرفي يخدع الدماغ البشري، فيجعلك تعتقد تلقائياً أن الشخص البارع في تسجيل الأهداف داخل المستطيل الأخضر، أو الممثل القادر على إبكائك في مشهد درامي، هو بالضرورة خبير استراتيجي في السياسة، أو فيلسوف في الدين، أو حتى عالم في الطب.

عالم النفس الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، “دانيال كانمان” قام بتفكيك هذه الخدعة ببراعة في كتابه الشهير “التفكير السريع والبطيء” 

أدمغتنا تميل بطبيعتها إلى توفير الطاقة وتجنب الإرهاق التحليلي، فتعتمد على “نظام التفكير السريع” الذي يعشق الانطباعات الأولى والقرارات العاطفية عندما نعجب بممثل معين، يقوم هذا النظام السريع بإحاطته بـ “هالة” وهمية من الكمال المطلق، فندخل في حالة من التخدير الفكري، ونتخلى عن “نظام التفكير البطيء” المسؤول عن النقد والتحليل هكذا، نتقبل آراء هذا النجم في كل شي وكأنها حقائق علمية مسلّم بها.

الأمثلة الحية تحيط بنا من كل جانب وتؤكد هذا الخلل رأينا جميعاً كيف قادت تغريدة واحدة من نجمة تلفزيون الواقع ملايين المتابعين لشراء عملة رقمية مجهولة انهارت لاحقاً تاركة إياهم في إفلاس تام وشاهدنا رياضيين وفنانين يروجون لنظريات طبية وعلاجات غير مثبتة علمياً، فصدقهم الجمهور العريض وتجاهلوا تحذيرات الأطباء المتخصصين وقضوا ساعات في تنفيذ نصائح طبية من أشخاص لم يدرسوا يوماً في كلية الطب.

 النجاح في مجال محدد يعطي صاحبه بريقاً يخطف الأبصار، وهذا البريق يعمينا تماماً عن رؤية حدوده المعرفية الحقيقية.

ولعل أصدق تجسيد مرعب ومضحك لهذه الكارثة هو ما قدمه فيلم (Don’t Look Up)

في هذا العمل السينمائي، يكتشف علماء الفلك مذنباً ضخماً يتجه نحو الأرض وسيمحو البشرية تماماً في غضون أشهر و يحاول العلماء تحذير العالم عبر شاشات التلفزيون، لتكون المفاجأة الصادمة في انتظارهم: الجمهور، والإعلام  يتجاهلون كارثة الفناء تماماً، لأن الجميع مشغولون بمتابعة “ترند” انفصال مغنية بوب مشهورة عن حبيبها! الفيلم يعري واقعنا بقسوة شديدة، ويوضح كيف يتم اختطاف انتباه الجماهير وتغييب وعيهم الجمعي عبر تسليط الضوء على تفاهات بعض المشاهير.

هذا الهوس الجماهيري بالنجوم يمثل فرصة ذهبية للشركات الكبرى والكيانات التي تبحث عن تمرير افكارها واستخدام وجه مألوف ومحبوب كواجهة لتمرير أجندة معينة يضمن إغلاق “الفلتر النقدي” لدى الجماهير أنت تدعم هذا القرار، أو تشتري المنتج الاستهلاكي، لأنك تثق في النجم الذي يروج له، وتنسى تماماً أن هذا النجم يقرأ من نص مكتوب مدفوع الأجر، وأنه أداة توجيه ناعمة مصممة لاختراق دفاعاتك العقلية.

الخروج من هذا القطيع يتطلب شجاعة فكرية لفك الارتباط بين الموهبة الفنية أو الرياضية، وبين الحكمة والمعرفة المتخصصة استمتع بأهداف لاعبك المفضل، وانبهر بأداء نجمك السينمائي، واحتفظ دائماً بعقلك النقدي يقظاً وصارماً النجوم بشر يصيبون ويخطئون، وتيجانهم البراقة غالباً ما تكون، عند التدقيق عن قرب، مجرد ورق مقوى مطلي بلون ذهبي مزيف.

# مجلة إيليت فوتو آرت 

أخر المقالات

منكم وإليكم