بيرجن المطربة التي غنت حتى آخر رمق

قصة مقتل أشهر مغنية في تركيا

لم تكن بيرجن مجرد مغنية تركية ذات صوت استثنائي، بل كانت حكاية حزن تمشي على قدمين، امرأة تحول الغناء في حنجرتها إلى مرثية طويلة لحياتها نفسها. اسمها الحقيقي بيرجن ساريلميشر، ولدت في 15 يوليو 1959 في مدينة مرسين، وانتهت حياتها بشكل مأساوي في 14 أغسطس 1989 في مدينة أضنة، لتخلد في الذاكرة بلقب لم يأت من فراغ: “امرأة الأحزان”.

منذ طفولتها، بدا أن الموسيقى هي ملاذها الوحيد. وبعد تخرجها من المدرسة، لفت صوتها انتباه معلميها الذين شجعوها على دراسة الموسيقى أكاديمياً، فالتحقت بالمعهد الموسيقي وتعلمت العزف على البيانو والتشيلو. لكن الظروف المادية القاسية أجبرتها على ترك المعهد قبل أن تكمل حلمها، لتبدأ رحلة شاقة من الكفاح.

في عام 1977، صعدت بيرجن إلى المسرح لأول مرة، لا بدافع الطموح بل بدافع الحاجة. كانت برفقة أصدقائها في أحد الملاهي الليلية من باب التسلية، لكن إصرارهم دفعها إلى الغناء أمام الحضور. ما إن انتهت حتى عرض عليها صاحب المكان العمل كمغنية ثابتة، فوافقت بسبب ضيق حالها المادي، دون أن تعلم أن هذه الخطوة ستكون بوابة إلى أسوأ فصول حياتها.

خلال عملها، دخل حياتها رجل يدعى خالص سيربيس. لم يكن معجباً عادياً، بل تحول إلى شخص مهووس بها، لاحقها باستمرار، ثم تزوجها، وأجبرها على ترك الغناء. لكن الصدمة الكبرى كانت حين اكتشفت الحقيقة: زواجها كان بعقد مزور، والرجل متزوج أصلاً ولديه ثلاثة أطفال. عندها قررت الهروب والعودة إلى عالمها الحقيقي… الغناء.

إلا أن خالص لم يسمح لها بالنجاة. لم يحتمل فكرة فقدان السيطرة عليها، فارتكب جر.يمة مروعة حين ألقى حمض النتر.يك على وجهها، لتفقد عينها اليمنى إلى الأبد. بعد الاعتد.اء، لم تعد ترى إلا بعينها اليسرى فقط، وتحول شكلها إلى رمز دائم للألم، حيث اعتادت إخفاء عينها بشعرها أو ارتداء النظارات الشمسية، وهو المظهر الذي التصق بها في ذاكرة الجمهور.

رغم ذلك، لم تنكسر بيرجن. عادت إلى الغناء بقوة، وأصبحت أكثر شهرة من أي وقت مضى. أُطلق عليها لقب “امرأة الأحزان”، وهو اللقب الذي رسخته مشاركتها في فيلم يحمل الاسم نفسه، إلى جانب ألبوم غنائي روى فصول مأساتها. ومن بين أغانيها، برزت أغنية “Sen Affetsen Ben Affetmem” (إذا سامحتهم فأنا لن أسامحهم)، التي كانت اعترافاً علنياً بكل ما تعرضت له من ع.نف وإذلال وتشويه.

أُدين خالص سيربيس بجر.يمة إلقاء الحمض، ودخل السجن لمدة 12 عاماً. وخلال تلك الفترة، واصلت بيرجن مسيرتها الفنية، لكن الماضي لم يتركها وشأنها. بعد خروجه من السجن، عاد يطاردها ويهد.دها بالق.تل، ورغم كل ما فعله بها، وجدت نفسها تعود إليه لفترة قصيرة، قبل أن تقنعها والدتها بالابتعاد عنه والهرب حفاظاً على حياتها.

لكن القرار جاء متأخراً. في ليلة 14 أغسطس 1989، وبينما كانت بيرجن تغني على خشبة أحد الملاهي الليلية، أطلق خالص سيربيس النا.ر عليها، لينهي حياتها أمام الجمهور. كانت في قمة شهرتها، تمتلك اسماً لامعاً وصوتاً يعشقه الملايين، لكن الرصا.ص كان أسرع من الهروب.

أُعيد خالص إلى السجن، وحُكم عليه هذه المرة بـ 7 سنوات فقط، ليخرج بعدها ويكمل حياته بشكل شبه طبيعي، في مفارقة صادمة أثارت غضب الرأي العام.

ولم تتوقف فصول القصة عند هذا الحد. فعندما أُعلن عن نية تصوير فيلم سينمائي يوثق مأساة بيرجن، خرج خالص سيربيس مهد.داً صنّاع العمل، ووجّه تهد.يدات مباشرة بالق.تل، خصوصاً للممثلة سيريناي ساريكايا التي كان من المقرر أن تؤدي دور بيرجن، ما دفعها إلى الاعتذار عن المشاركة.

في 4 مارس 2022، تم إنتاج فيلم بيرجن وحقق نجاحاً كبيراً غير مسبوق. كما احتل الفيلم المرتبة الثامنة بين أكثر الأفلام مشاهدة في تاريخ السينما التركية، بعدما تجاوز عدد مشاهديه 9 ملايين و422 ألف مشاهد، ليصبح بذلك الفيلم الأعلى ربحاً على الإطلاق في تركيا.

رحلت بيرجن، لكن قصتها بقيت شاهداً موجعاً على الع.نف ضد النساء، وعلى كيف يمكن لقصة حب مزعومة أن تتحول إلى سجن، ثم إلى تشو.يه، ثم إلى رصا.ص ينهي كل شيء. 

# مجلة إيليت فوتو آرت 

أخر المقالات

منكم وإليكم