بيتك حصنك الصحي .. الأثر النفسي والجسدي لوجود الزهور، المرح ، والتجديد الدائم في محيطك

د.نادي شلقامي

لقد أثبتت الدراسات الحديثة في مجالات علم النفس والبيئة المنزلية أن المنزل ليس مجرد مكان للإقامة، بل هو بيئة حيوية تؤثر بشكل مباشر وعميق على جودة حياتنا وصحتنا العامة.

هذا التقرير يسلط الضوء على ثلاثة عناصر رئيسية تعمل كركائز لخلق بيئة منزلية إيجابية ومُحفزة: وجود الزهور والنباتات الطبيعية، وإشاعة جو من المرح والابتسام، وتجديد ديكورات المنزل بانتظام.

إن تبني هذه الممارسات يمثل استثمارًا حقيقيًا في الصحة النفسية، والجسدية، والاجتماعية لجميع أفراد الأسرة.

المحور الأول: الأثر الإيجابي لوجود الزهور والنباتات في البيت..
تتجاوز فوائد الزهور والنباتات مجرد المظهر الجمالي لتصبح عنصراً قوياً في تحسين جودة الحياة داخل المنزل:

1- الأثر النفسي:

1-1- تقليل التوتر والقلق:
تساهم الألوان الزاهية والروائح العطرية للزهور في تحفيز مناطق الدماغ المسؤولة عن الهدوء والاسترخاء، مما يخفف من مستويات هرمون الكورتيزول (هرمون التوتر).

1-2- تحسين المزاج وزيادة الطاقة الإيجابية: لوحظ أن الأشخاص الذين يتلقون الزهور أو يحيطون أنفسهم بها يشعرون بسعادة أكبر وتفاؤل ملحوظ.

1-3- زيادة التركيز والإنتاجية:
وجود النباتات في محيط العمل أو الدراسة بالمنزل يحسن الوظائف المعرفية.

2- الأثر الجسدي والصحي:

2-1- تنقية الهواء:
تعمل النباتات كمرشحات طبيعية، حيث تمتص بعض الملوثات والمركبات العضوية المتطايرة (VOCs) مثل الفورمالديهايد والبنزين، وتطلق الأكسجين النقي.

2-2- تحسين جودة النوم:
بعض النباتات مثل الخزامى أو الياسمين تطلق روائح مهدئة تساعد على الاستغراق في نوم عميق ومريح.

2-3- تسريع الشفاء:
أظهرت بعض الدراسات أن المرضى الذين يحيطون أنفسهم بالنباتات يتعافون بسرعة أكبر ويحتاجون إلى مسكنات ألم أقل.

المحور الثاني: المرح والابتسامة كمفتاح للصحة
الابتسامة والضحك هما “دواء” مجاني وفعال له تأثيرات عميقة على كل من الجسد والعقل:

1- الأثر النفسي:

1-1- تقوية الروابط الأسرية:
الضحك المشترك يخلق ذكريات إيجابية ويقوي الترابط العاطفي والاجتماعي بين أفراد الأسرة.

1-2- بناء المرونة النفسية:
يساعد المرح على التعامل مع ضغوط الحياة والمشاكل بمرونة أكبر ومنظور أكثر إيجابية.

1-3- إفراز هرمونات السعادة:
الضحك يحفز إفراز الإندورفينات والدوبامين، وهي مواد كيميائية طبيعية تخفف الألم وتشعرك بالسعادة والرضا.

2- الأثر الجسدي والصحي:

2-1- تقوية جهاز المناعة:
أظهرت الأبحاث أن الضحك يقلل من هرمونات التوتر التي يمكن أن تضعف جهاز المناعة، ويزيد من إنتاج الأجسام المضادة.

2-2- صحة القلب والأوعية الدموية:
الضحك ينشط الدورة الدموية، ويحسن وظيفة الأوعية الدموية، مما يقلل من خطر الإصابة بالنوبات القلبية.

2-3- تخفيف الآلام الجسدية:
الإندورفينات التي يفرزها الجسم عند الضحك تعمل كمسكنات طبيعية للآلام.

المحور الثالث: تجديد ديكورات البيت كل حين وآخر
التغيير هو سنة الحياة، وتطبيقه على محيطنا المنزلي له فوائد ملموسة:

1- الأثر النفسي:
1-1- محاربة الملل والروتين:
التغيير يكسر الرتابة ويمنح شعوراً بالانتعاش والتجديد والطاقة الإيجابية، مما يقلل من احتمالية الشعور بالاكتئاب.

1-2- تجديد الأهداف والطموحات:
البيئة الجديدة يمكن أن تكون حافزاً لبدء عادات جديدة أو السعي نحو أهداف شخصية.

1-3- الشعور بالإنجاز والسيطرة:
عملية التجديد، حتى لو كانت بسيطة (كتغيير ترتيب الأثاث أو إضافة لوحات جديدة)، تمنح شعوراً بالتحكم في البيئة المحيطة، وهو أمر إيجابي للصحة النفسية.

2- الأثر الجسدي والصحي:

2-1- تحسين الكفاءة الوظيفية للمساحة: إعادة ترتيب الأثاث والديكور قد يؤدي إلى خلق مساحات أكثر عملية ومريحة لحركة الجسد، مما يقلل من الإجهاد الجسدي.

2-2- التحفيز على التنظيف والتخلص من الفوضى: التجديد غالباً ما يترافق مع التخلص من الأشياء القديمة وغير الضرورية (Decuttering)، مما يقلل من الغبار والمواد المسببة للحساسية، ويسهم في بيئة صحية أنظف.

المحور الرابع… نصائح عملية لبيت سعيد وصحي..

أولاً: لتطبيق فكرة الزهور والنباتات

1- ابدأ بالنباتات الأساسية المنقية للهواء:

1-1- ضع نبات الثعبان (Sansevieria) في غرف النوم لأنه ينقي الهواء ليلاً.

1-2- استخدم البوتس (Pothos) أو زنبق السلام في المعيشة والمكاتب لسهولة العناية وقدرتها على تنقية الملوثات.

2- خلق ركن الزهور الأسبوعي:
— خصص مزهرية رئيسية في مكان بارز (مثل طاولة المدخل أو الطعام) وقم بتجديد محتواها بأزهار موسمية بسيطة أو حتى أفرع خضراء مرة واحدة أسبوعياً.

3- استخدام الأعشاب العطرية:
— ازرع الريحان أو النعناع أو الروزماري في أصص صغيرة داخل المطبخ. هذا يضمن رائحة منعشة دائمة، بالإضافة إلى استخدامها في الطهي.

4- قوة الألوان:
— اختر زهوراً بألوان مشرقة مثل الأصفر والبرتقالي في أماكن التجمعات (مثل غرفة المعيشة) لتعزيز الطاقة الإيجابية والمرح.

ثانياً: لغرس المرح والابتسامة في المنزل

1- تطبيق قاعدة “ساعة دون شاشات”:
— خصص وقتاً يومياً (يفضل في المساء) تكون فيه جميع الأجهزة الإلكترونية مغلقة أو بعيدة، واستبدلها بالألعاب الجماعية والضحك.

2- تفعيل ركن الذكريات السعيدة:
— أنشئ “جداراً للضحك” أو لوحة صور مخصصة لتعليق الصور العائلية العفوية والمرحة والملاحظات المضحكة.

3- تشجيع اللعب العفوي:
— احتفظ بسلة أو صندوق يحتوي على أدوات بسيطة (أقلام تلوين، أوراق، كرات، بطاقات لعب) في مكان يسهل الوصول إليه، لتشجيع العائلة على الانخراط في أنشطة ممتعة بشكل مفاجئ.

4- الروتين الإيجابي قبل النوم:
— اجعل عادة أن يذكر كل فرد في العائلة شيئاً مضحكاً أو سعيداً حدث له خلال اليوم قبل الخلود إلى النوم.

ثالثاً: لتجديد وتغيير الديكورات

1- التركيز على المنسوجات والإضاءة:

1-1- بدل المنسوجات الموسمية: غيّر أغطية الوسائد والبطانيات الخفيفة بألوان مختلفة كل ثلاثة أشهر لتجديد مظهر الغرفة بالكامل دون تكلفة عالية.

1-2- غيّر الإضاءة: استبدل المصابيح الباردة بالدافئة في غرف المعيشة، أو أضف مصباحاً أرضياً جديداً لكسر رتابة الإضاءة العلوية.

2- ممارسة “تدوير الأثاث” كل فترة:

— لا تشتري أثاثاً جديداً. حاول تغيير ترتيب الأثاث الموجود في الغرفة أو تبديل قطع الأثاث بين الغرف (مثل نقل كرسي مميز من غرفة النوم إلى المعيشة).

3- التخلص من الفوضى أولاً (Decluttering):
— قبل التفكير في أي تغيير ديكوري، تخلص من الأشياء غير الضرورية والمكدسة. الفضاء النظيف والمنظم هو أول وأهم خطوة نحو تجديد الديكور والشعور بالراحة النفسية.

4- تغيير أماكن اللوحات والمرايا:
— ببساطة، قم بتبديل أماكن اللوحات الفنية والمرايا بين الغرف. هذا يغير زاوية الرؤية ويمنح شعوراً بأن الغرفة قد تجددت بالكامل.

وختاما…يؤكد هذا التقرير أن المنزل ليس مجرد مأوى، بل هو منظومة متكاملة تؤثر عناصره المختلفة على رفاهية الإنسان.

إن دمج جمال الزهور، دفء الابتسامة والمرح، وديناميكية التجديد الديكوري يخلق ما يُعرف بـ “المسكن الشافي”. هذا المسكن لا يقدم لنا الراحة فحسب، بل يغذي أرواحنا، ويقوي أجسادنا، ويصقل علاقاتنا الأسرية. إن العناية بهذه العناصر هي خطوة استباقية نحو حياة أكثر صحة وسعادة وازدهاراً.
******
المصادر
حديث الوطن
إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم