سينما الإشعارات: كيف تفكك شادن التازي صدمة الاغتراب الرقمي؟تعد السينما المعاصرة مرآة حية للوجع الإنساني؛ وفي فيلمها الوثائقي القصير “بضع لحظات من السعادة”، تأخذنا المخرجة اللبنانية شادن صفي الدين التازي في رحلة بصرية ونفسية شديدة الخصوصية والتعقيد. يأتي هذا العمل، المتوج بجائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان فينيسيا السينمائي 2026، ليعيد تعريف مفهوم الاغتراب في العصر الرقمي. فلا نجد هنا كاميرات تقليدية أو مواقع تصوير مفتوحة، بل نرى شاشة هاتف ذكي تتحول إلى الفضاء الوحيد لاستيعاب صدمة الحرب، ليصبح المضمون مادة نقدية دسمة تفكك مفهوم “الإنهاك الرقمي”، واضطرار المغترب لمشاهدة فناء وطنه عن بُعد من فوق سرير دافئ.لا تكمن قوة الفيلم في موضوعه الإنساني المأساوي فحسب، بل في جرأة خياراته التقنية والجمالية التي تحدت القوالب السينمائية التقليدية. فقد اتكأت المخرجة على أسلوب “سينما لقطة الشاشة” (Desktop Documentary) كأداة تعبيرية رئيسية، وهو خيار بصري تجاوز التجديد الشكلي ليجسد بذكاء عمق “الانفصال الرقمي”. إن حصر الكاميرا داخل حدود الشاشة الضيقة يعكس بدقة السجن النفسي وحالة الحصار الذاتي التي تعيشها البطلة؛ فلم تعد الشاشة مجرد وسيلة لنقل الحدث، بل أصبحت الفضاء الافتراضي البديل الذي تنصهر فيه لغة الحرب والدمار، في مواجهة الصمت القاتل للمحيط المادي الخارجي.وفي عمق هذا الفضاء، يخوض الفيلم حرب السردية المقدسة؛ فهو لا يحاول فقط توثيق الحرب والمعاناة في لبنان، بل يطرح سؤالاً فلسفياً أوسع: كيف أصبحنا نتحمل العيش مع المآسي عبر شاشاتنا؟ ينقلنا العمل بجرأة لمتابعة لقطات القصف والموت في اللحظة الزمنية ذاتها التي تتجاور فيها على واجهة الهاتف مع مقاطع الرقص، الحفلات، والترفيه. وتكمن المفارقة الصادمة هنا في التحذير من فخ وسائل التواصل الاجتماعي؛ فبينما تمنحنا اتصالاً حظياً بالواقع، إلا أن التكرار البصري المفرط للمأساة يهدد بإدخالنا في حالة من التبلد النفسي، والتعايش البليد، وصولاً إلى فخ “التطبيع مع الموت”. يثبت فيلم “بضع لحظات من السعادة” أن السينما الأكثر تأثيراً هي تلك التي تنبع من التجربة الذاتية الصادقة. لقد طوّعت شادن صفي الدين التازي أدوات التواصل اليومية الكلاسيكية، كرسائل “واتساب” والتسجيلات الصوتية العائلية، محولة إياها إلى لغة سينمائية بليغة تختزل مأساة جيل كامل معلق بين عالمين. إن القيمة الحقيقية لهذا العمل لا تكمن فقط في تتويجه الدولي، بل في كونه وثيقة إنسانية وتاريخية توثق مشاعر العجز والخوف الحميمي، تاركاً المشاهد أمام تساؤل وجودي مقلق: كيف يمكن للجسد أن يحيا في أمان مستدام بينما العقل والروح أسيران لإشعارات هاتف لا تتوقف عن نقل الموت؟
#سينما العالم#مجلة ايليت فوتو ارت.


