مرور البيانات عبر كابل لا يعبر الولايات المتحدة لا يوفر تلقائيًا حماية شاملة من المراقبة أو الوصول غير المصرح به إلى المعلومات، إذ يتوقف أمن البيانات أيضًا على أنظمة التشفير والجهات المشغلة للشبكات ومواقع التخزين والقوانين…
تسعى شركة “بولك إنفراستركتشر” النرويجية إلى إنشاء كابل اتصالات بحري يربط أوروبا بكندا عبر المحيط الأطلسي، دون المرور بالأراضي الأميركية، في مشروع تتجاوز تكلفته 620 مليون دولار، ويهدف إلى تقليل اعتماد كندا على شبكات الاتصالات الأميركية وتعزيز استقلال بنيتها التحتية الرقمية.
وبحسب تقارير نقلت عن وكالة “بلومبرغ”، تبحث الشركة عن شريك كندي يمتلك حصة أغلبية في المشروع، الذي يحمل اسم “ليف إريكسون”، ويستهدف توفير اتصال مباشر بين شمال أوروبا وشرق كندا، مع تلبية الطلب المتزايد على نقل البيانات المرتبط بتوسع مراكز البيانات والحوسبة السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ويمتد الجزء البحري المقترح من جنوب النرويج إلى منطقة هابي فالي-غوس باي في مقاطعة نيوفاوندلاند ولابرادور الكندية، بطول يقارب 4600 كيلومتر، قبل أن يتصل بمسار بري يمتد نحو 1900 كيلومتر عبر الأراضي الكندية وصولًا إلى مونتريال.
وبذلك، يصل إجمالي طول المشروع إلى نحو 6500 كيلومتر، بما يوفر مسارًا جديدًا لنقل البيانات بين أوروبا وأميركا الشمالية، يتجنب عبور الأراضي الأميركية.
وتختلف التقديرات الحالية عن التصور الأولي الذي أعلنته الشركة في أكتوبر/ تشرين الأول 2021، حين قدرت طول الكابل البحري بنحو 4200 كيلومتر، ضمن الدراسات الأولية لجدوى المشروع.
ويأتي إحياء المشروع في ظل اهتمام كندي متزايد بتعزيز مرونة الاتصالات الدولية، بعدما سلطت التوترات بين واشنطن وأوتاوا الضوء على اعتماد جزء كبير من حركة البيانات والاتصالات الكندية على شبكات تمر عبر الولايات المتحدة الأميركية.
ونقلت تقارير عن “بلومبرغ” أن هذا الاعتماد أثار تساؤلات بشأن قدرة كندا على الحفاظ على استمرارية اتصالاتها الدولية في حال تعرض المسارات القائمة لاضطرابات أو قيود.
وفي هذا السياق، قدم مؤسس “بولك إنفراستركتشر” ورئيسها التنفيذي المشارك، بيدر نيربو، المشروع باعتباره جزءًا من مساعٍ لتطوير شبكة اتصالات كندية تتمتع باستقلالية أكبر، من خلال إنشاء اتصال مباشر بالبنية التحتية الأوروبية.
وترى الشركة أن تنويع المسارات الدولية يمكن أن يقلل الاعتماد على الشبكات الأميركية، ويوفر بدائل إضافية لنقل البيانات بين القارتين في حالات الأعطال أو الاضطرابات.
غير أن تجاوز الأراضي الأميركية لا يعني الاستغناء الكامل عن البنية التحتية الرقمية للولايات المتحدة، إذ قد تستمر البيانات في المرور عبر شبكات أو منصات حوسبة سحابية أميركية بعد وصولها إلى كندا، بحسب طبيعة الخدمات التي تستخدمها المؤسسات والأفراد.
ويرتبط المشروع أيضًا بالطلب المتزايد على البنية التحتية اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي تعتمد على مراكز بيانات ضخمة تضم معالجات متخصصة وأنظمة تخزين وشبكات عالية السعة.
وتوضح “بولك إنفراستركتشر” أن كابل “ليف إريكسون” يستهدف خدمة قطاعات الاتصالات والذكاء الاصطناعي والحوسبة واسعة النطاق، من خلال توفير مسار إضافي لنقل كميات كبيرة من البيانات عبر المحيط الأطلسي.
كما تربط الشركة المشروع بوفرة مصادر الطاقة المتجددة في النرويج وكندا، وتسعى إلى الاستفادة من هذه الموارد في دعم بنية تحتية رقمية أقل اعتمادًا على مصادر الطاقة التقليدية.
وبحسب الموقع الرسمي للشركة، يستهدف المشروع الربط بين منطقتين تتمتعان بموارد كبيرة من الطاقة المتجددة، بما يدعم تطوير مراكز البيانات والخدمات الرقمية التي تتطلب قدرات كهربائية وحاسوبية مرتفعة.
لكن إنشاء الكابل لا يضمن بحد ذاته جذب استثمارات جديدة إلى مراكز البيانات أو خفض تكاليف تشغيل الذكاء الاصطناعي، إذ تتوقف هذه النتائج على عوامل أخرى، تشمل توافر الكهرباء والمعالجات والعملاء والاستثمارات اللازمة.
وعلى صعيد أمن الاتصالات، يمكن أن يوفر الكابل المقترح مسارًا بديلًا لنقل البيانات بين كندا وأوروبا، بما يقلل الاعتماد على عدد محدود من الوصلات البحرية والبرية.
وتكتسب هذه المسارات أهمية كبيرة في استمرارية خدمات الإنترنت الدولية، إذ تتيح إعادة توجيه حركة البيانات عند تعرض بعض الكابلات لأضرار مادية أو أعطال تقنية.
وتؤكد الشركة المطورة أن المشروع يستهدف تحسين مرونة الاتصالات عبر الأطلسي في مواجهة المخاطر الجيوسياسية، إلى جانب دعم تطوير بنية تحتية رقمية تعتمد على مصادر الطاقة المتجددة.
ومع ذلك، فإن مرور البيانات عبر كابل لا يعبر الولايات المتحدة لا يوفر تلقائيًا حماية شاملة من المراقبة أو الوصول غير المصرح به إلى المعلومات، إذ يتوقف أمن البيانات أيضًا على أنظمة التشفير والجهات المشغلة للشبكات ومواقع التخزين والقوانين التي تخضع لها الخدمات الرقمية.
ويواجه المشروع تحديات مالية وتنظيمية وتقنية قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ، في مقدمتها تأمين التمويل اللازم واستقطاب شركاء تجاريين وعملاء يشترون السعات التي سيوفرها الكابل.
ووفقًا للتقارير الصحافية، تتجاوز التكلفة المتوقعة 620 مليون دولار، وتسعى الشركة إلى جذب شريك كندي يمتلك حصة أغلبية، بما يدعم تمويل المشروع وإدارته.
وتشمل المتطلبات الفنية استكمال الدراسات البحرية ومسح قاع المحيط، وتحديد المسار الأنسب للكابل، وتقييم المخاطر الجيولوجية والبيئية التي قد تؤثر في إنشائه وتشغيله.
كما يتطلب الجزء البري، الذي يمتد نحو 1900 كيلومتر داخل كندا، الحصول على تصاريح تنظيمية واتفاقات لاستخدام الأراضي، إلى جانب التشاور مع مجتمعات السكان الأصليين المتأثرة بالمسار.
وتحتاج الشركة كذلك إلى تنسيق مع السلطات الكندية والأوروبية بشأن الموافقات التنظيمية، فضلًا عن وضع ترتيبات التشغيل والصيانة لضمان استمرارية الخدمة وقدرتها على المنافسة مع الشبكات القائمة.
******
المصادر
عرب ٤٨
إيليت فوتو أرت


