بعد قرن كامل ماتزال مرتفعات وذرينغ توصف بأنها “أعظم قصة حب .

لماذا تُعد “مرتفعات وذرينغ” أعنف من أن تعرض سينمائيًا؟سامنثا إليس مارغوت روبي في أحدث اقتباسات ” مرتفعات وذرينغترجمة: عزة حسينأكثر ما يثير الدهشة في الإعلان الترويجي الأول لرواية “مرتفعات وذرينغ” للمخرجة إميرالد فينيل ليس اللقطة المقربة للعجين وهو يُعجن حد التطويع. ولا أنه في الأدوار الرئيسية ظهرت مارغوت روبي شقراء في الخامسة والثلاثين، وجاكوب إلوردي أبيض البشرة، بينما وصفت إميلي برونتي كاثي (التي تجسد روبي دورها) بأنها “مراهقة سمراء”، وهيثكليف (يجسده إلوردي) بأنه “غجري أسمر البشرة”.إنها ليست فخامة الديكورات الداخلية المبهرجة ــ من جدران فضية، وتماثيل جصية لآلهة إغريقية تنثر خيوط اللؤلؤ، وأرضيات دامية اللون، وجدار ورديٍ بلون الجلد يدعو للإمساك به ولعقه. ولا حتى مجوهرات روبي الماسية، أو نظارتها الشمسية القرمزية، أو حشوها للعشب في فمها، أو صوت قطع أربطة مشدّها بالسكين، أو شعرها المربوط بإتقان ــ مثيرٍ ــ وهي تتأمل أطباق الكعك الفضية المكدسة بحلوى الفاكهة الضخمة.الأمر ليس متعلقًا بأي من فساتينها ــ لا الفستان الأحمر المصنوع من اللاتكس، ولا بفستان زفافها ذي الكتفين المكشوفين الذي يعكس موضة الثمانينيات، والذي تعلوه أمتار من الطرحة المتدلية عن رأسها. كما لا يتعلق الأمر أيضًا بأي من المرات التي يخلع فيها إلوردي قميصه.الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن الإعلان الترويجي يصف مرتفعات وذرينغ بأنها “أعظم قصة حب على مر العصور”. وهو ما يكاد يكون مطابقًا لوصف فيلم لورانس أوليفييه، وميرل أوبرون، لعام 1939 عن الرواية نفسها ــ بأنه “أعظم قصة حب في عصرنا… أو في أي عصر!”. ألم نتعلم شيئًا؟لا أتحدث هنا عن حقيقة أن فستان زفاف روبي (مثل فستان أوبرون!) أبيض اللون، وهو ما لا يتوافق مع تلك الحقبة. ما أثار استياء كثيرين على الإنترنت. ما يقلقني أكثر هو أنه بعد مرور قرن تقريبًا على فيلم أوليفييه، ما زلنا نطلق عليه قصة حب ــ قصة رائعة! الأعظم! الفيلم الذي سيصدر عشية عيد الحب! ــ بينما ما يحدث في الواقع هو أن كاثي ترفض هيثكليف لأنها متكبرة، ويصاب هو بالجنون.”الفيلم يفتقر إلى الفكاهة، فهو ليس فيلمًا رومانسيًا كوميديًا. فبدلًا من لقاءٍ رومانسيٍّ عفويّ، نجد والد كاثي يُحضر إلى المنزل يتيمًا بائسًا وجده يتضور جوعًا في شوارع ليفربول”لهذا السبب، يكاد يكون من المستحيل تحويل هذه الرواية إلى فيلم ــ إلا إذا توقفت في منتصفها. وهو ما حدث مع فيلم عام 1939، الذي انتقل من مشهد موت كاثي إلى مشهد شبحها وهي تمشي جنبًا إلى جنب مع شبح هيثكليف، بينما تتنهد مدبرة المنزل نيلي دين في نشوة قائلة: “لقد شرعا للتو في الحياة!”.لقد فعلت معظم الأعمال التي اقتبست الرواية الشيء نفسه، باستثناء نادر هو نسخة بيتر كوسمينسكي عام 1992؛ التي لم تكتفِ بتغطية الكتاب بأكمله، بل قامت أيضًا بمنح البطولة لإميلي نفسها، التي جسدت دورها سينيد أوكونور، مرتديةً عباءة زرقاء كبيرة، محذرةً الجمهور “من الابتسام في أي جزء من الفيلم”.الفيلم فعلًا يفتقر إلى الفكاهة، فهو ليس فيلمًا رومانسيًا كوميديًا. فبدلًا من لقاءٍ رومانسيٍّ عفويّ، نجد والد كاثي يُحضر إلى المنزل يتيمًا بائسًا وجده يتضور جوعًا في شوارع ليفربول. صحيحٌ أن قصة فراق الحبيب موجودة، لكن النهاية السعيدة لا تتحقق.السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الفيلم أكثر قسوة من أن يعرض على الشاشة ــ ربما تكون نسخة أندريا أرنولد الصريحة والبسيطة لعام 2011 هي الأقرب إلى روح الرواية القاتمة، رغم أنها التزمت هي الأخرى بالنصف الأول من الرواية.إملي برونتي هنالك كثير من القسوة. يتعرض هيثكليف للإيذاء من قبل شقيق كاثي، هيندلي، فيحرضه هيثكليف على إغراق نفسه في الشراب حتى الموت، ويستولي على منزله، ويسيء معاملة ابنه. يخدع هيثكليف أخت زوج كاثي ويتزوجها، ثم يضربها، وينعتها بالعاهرة، ويشنق كلبها، ويتلاعب بها نفسيًا إلى أقصى حد، مُصرًا على أن هذا ما تريده.أما كاثي فهي نرجسية لدرجة أنها لا تُبالي بكل هذا. لذا، حتى لو تجاهلنا موتها والنصف الثاني من الرواية، فالأمر فعلًا مُرهق.”تحمل الرواية توترًا بين الحب والعدمية. أرادت أن تُحيّرنا، أن تُربكنا، أن تُفزعنا حتى”وإذا واصلت فينيل حتى النهاية (الحلوة المُرّة) للرواية، فسيتعين عليها التعامل مع هيثكليف الذي يُسيء معاملة ابنه وابنة كاثي ويُجبرهما على الزواج، فيما يُؤجّر منزل زوجية كاثي لرجلٍ مُتأنق في منتصف العمر يقطع معصمي فتاة شبحية بقطع الزجاج المكسور (فضلًا عن تعقيدات الحبكة داخل الإطار السردي، التي تعد سببًا آخر يجعل اقتباس الرواية أمرًا كابوسيًا).عندما صدرت الرواية عام 1847، لم يرَ فيها النقاد قصة حب؛ فقد كتبت مجلة “غراهام”: “كيف يُمكن لإنسان أن يُحاول كتابة مثل هذا الكتاب… من دون أن يُقدم على الانتحار… لغزٌ محير”، مُستنكرةً “انحطاطها المبتذل وأهوالها غير الطبيعية”، ومُتكهنةً بأن رؤية مؤلفتها الكابوسية لا بد وأنها نبعت من تناول “الجبن المقدد”. ووصفت مجلة “ذا سبيكتاتور” الفيلم بأنه “فظّ ومثير للاشمئزاز”، بينما وصفت مجلة “أطلس” شخصياته بأنها “بغيضة للغاية، أو محتقرة تمامًا”، أما مجلة “نورث أميركان ريفيو”، فقد انتقدت “فظاظة” الرواية و”تجديفها السخيف”، و”خيالها المريض”. لذا، من الجيد نوعًا ما أن يجد أحد المشاهدين في عرض تجريبي لفيلم فينيل أنه “استفزازي بشكل عدواني، وفظّ في أسلوبه”، بسبب ما يُشاع عن وجود مشهد يُشنق فيه رجل علنًا، ثم يَقذف، وتتحرش به راهبة. وإن كان الكتاب يخلو من هذه المشاهد، لكن رواية “مرتفعات ويذرينغ” لطالما كانت صادمة. ولطالما كانت منحرفة ومخلخلة.يتوسل هيثكليف حرفيًا إلى كاثي أن “ادفعيني إلى الجنون”. تشعر كاثي بطغيان الحب عليها، فتصرخ: “ها أنا أفعل يا هيثكليف!”. يُصيبها الحب بالهذيان، ويدفعه إلى الصرير على أسنانه، وضرب رأسه بشجرة حتى ينزف ويبدأ في حفر قبرها. كل هذا موجود في الرواية. ونحن نتوق إليه.تُحيط إميلي برونتي كلًا من كاثي وهيثكليف بشخصياتٍ تافهة، مُنافقة، ضيقة الأفق، ومُتغطرسة، لدرجة يبدو معها حبهما المُطلق كنسمةٍ هواء عليلة. كما تمنح كاثي أخًا يُضايقها وزوجًا يُكبّلها، حتى أنه يُمكن مشاركة الناقدتين ساندرا جيلبرت، وسوزان جوبار، القول: بأن هيثكليف ما هو إلا قوة نسوية تُساعدها على تحطيم النظام الأبوي والانطلاق نحو الطبيعة.على أية حال، ربما لا يفترض في هذا الحب أن يكون حقيقيًا، كما يرى بعضهم، كإليزابيث هاردويك، التي وصفت الرواية بقسوةٍ بأنها “قصة عذراء”، كتابٌ عن حبٍّ مستحيلٍ ومجرّد، لا يُمكن أن ينجح إلا عندما يصبح أثيريًا، أو بتعبيرٍ أقل رومانسية، عندما يموت الحبيبان. ولعل هذا هو سبب جاذبيتها الكبيرة للمراهقين ــ فقد كتبت كيت بوش أغنيتها الرائعة “مرتفعات ويذرنغ” في سن الثامنة عشرة، وصرحت المخرجة إميرالد فينيل بوضوح بأنها تريد أن يعكس فيلمها الكتاب كما قرأته في سن الرابعة عشرة. ربما لا تكون أعظم قصة حب على مرّ العصور، أو في عصرنا، ولا أي عصرٍ آخر، لكنها أعظم قصةٍ تُصوّر ما نعتقده عن الحبّ عندما لم نختبره.لكنني لست متأكدة من أن هذه هي بالضبط الرواية التي كتبتها برونتي؛ فهي في السابعة والعشرين من عمرها، ذكية وحكيمة (كانت تدير استثمارات أخواتها)، قوية البنية (كانت تمشي أميالًا، وتجيد استخدام السلاح)، وقارئة نهمة للصحف وأحدث الكتب. وروايتها زاخرة بالأفكار. في بنيتها المعقدة، تحمل الرواية توترًا بين الحب والعدمية. أرادت أن تُحيّرنا، أن تُربكنا، أن تُفزعنا حتى، لذا ربما يكون من الصواب أن يفعل الإعلان الترويجي الشيء نفسه.مع ذلك، سيكون من المؤسف ألا يتناول الفيلم المقتبس أيًا من النصف الثاني المعقد من الرواية، فبعد أن استحضرت برونتي أعمق رغباتنا، تسألنا عما إذا كنا نريد حقًا الانغماس فيها.يخبر هيثكليف نيلي أنه بدأ بنبش جثة كاثي، لكنه توقف في اللحظة الأخيرة. فتسأله وهي مشمئزة عما كان سيفعله لو وجدها “متحللةً في التراب، أو ما هو أسوأ”، فأجاب بأنه كان سيحلم “بالتحلل والتلاشي معها…!”. هل هذا ما نريده أن يكون ثمنًا للحب؟ هل نريد حقًا حبًا سامًا لا ينتهي إلا بالموت وتدمير كل من حولنا؟ هل هذا هو الحب، أم نزعة انتحارية مروعة؟وبينما قد نستمتع بهذا النوع من الحب في الخيال، ألا يكون من الأفضل لنا أن نسعى وراء الحب الذي اختتمت به برونتي روايتها، عندما تظهر ابنة كاثي، في مشهد نادرًا ما يُعرض على الشاشة، وهي تعلم ابن هيندلي القراءة برفق وحميمية.هوامش:(*) المقال منشور بتاريخ 28 كانون الأول/ ديسمبر 2025، في صحيفة “الغارديان” البريطانية، بقلم الكاتبة سامانثا إليس، مؤلفة كتاب “تحلّوا بالشجاعة: آن برونتي وفن الحياة”.ــ العنوان الأصلي للمقال باللغة الإنكليزية هو:‘It’s no romcom’: why the real Wuthering Heights is too extreme for the screen”

#صحيفة ضفة ثالثة # مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم