بحث في اصل العرب ولغتهم بين الحقيقة والزيف

كتاب اصل العرب لغتهم بين الحقائق والاباطيل الدكتور عبد الغفار حامد هلال. كتب الدكتور لويس عوض كتابا في فقه اللغة عنوانه. (مقدمة في فقه اللغة العربية)، طبعته الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة (۱۹۸۰م (۱) ، ۱۹۸۰م (۱)، وفيه عرض لقضية العرب ولغتهم في الفصل الأول (۲) منه، وبدا أنه يقلب الحقائق التاريخية واللغوية في إطار معالجته لهذا الموضوع، وقد رأيت من واجب البحث العلمي الموضوعي أن أناقش ما كتب بالحجة والدليل مبينا جوانب التجني والذهاب إلى غير الصواب. والكتاب الذي نحن بصدده يحوى فصولا كثيرة، لا يتسع المقام لمناقشتها جميعها دفعة واحدة، ولذا فإننى سأعرض لفصوله واحدا بعد الآخر . ويهمني الآن أن أعرض للفصل الأول منه، والذى جعل عنوانه العرب ولغتهم) . ففى هذا الفصل عرض المؤلف الهدف الذي أنشأ كتابه من أجله، فهو – كما قال – يريد أن يثبت أن صلب اللغة العربية ذاته كان من نفس الشجرة التي تفرعت عنها المجموعة الهندية الأوربية قبل هجرة العرب من موطنهم القوقازي إلى شبه الجزيرة التي تحمل اسمهم الآن، وبالتالي فإن ما نجده – على حد تعبيره – من عناصر غير هندية أوربية هو الدخيل وليس صلب الأصلاب (۳). وهو بهذا – يحاول أن يثبت أن كتابه يقوم على دعم رأيه الذي يقلب الموازين فيجعل العربية فرعا من فروع اللغات الهندية الأوربية قائلا : وقد انتهيت من أبحاثي في فقه اللغة العربية إلى أن اللغة العربية هي أحد فروع الشجرة التي خرجت منها اللغات الهندية الأوربية (٤) – فالعرب موجة متأخرة. جدا من الموجات التي نزلت شبه الجزيرة من طريق بادية الشام حاملة معها لغتها القوقازية المتفرعة من المجموعة الهندية الأوربية (۱) ، ويرى أن ينسحب هذا الحكم على بقية اللغات السامية أخوات العربية، فيقول : وإذا اعتبرنا اللغة العربية نموذجا لبقية اللغات السامية خرجنا بأن ما يسمونه مجموعة اللغات السامية هو أحد الفروع الرئيسية التي خرجت من هذه الشجرة، ثم تفرعت إلى فروع ثانوية كانت العربية أحدها». ويهاجم في هذا الصدد علماء العربية القدامى الذين اكتفوا بإيضاح جوانب التأثر والتأثير التي وقعت بين العربية واللغات الأخرى، فقد كان يود أن يوافقوه على رأيه فيقول : فالأمر – إذا – يتجاوز أن يكون مجرد اقتباس اللغة العربية لمئات الألفاظ أو آلاف الألفاظ من اللغات الهندية الأوربية المحيطة بها كاليونانية، واللاتينية والفارسية والهندية، وأكثرها من ألفاظ الحضارة، كما كان يظن فقهاء اللغة العربية كالجواليقى والسيوطى والبشبيشى والخفاجي ومن جاء بعدهم من المتأخرين؛ لأن اللغة العربية – كما يدل التحليل المورفولوجي والفونطيقى والسيما نطيقي في هذا الكتاب – كغيرها من اللغات السامية ليست في صلبها وسمتها الأصلي إلا تطورا طبيعيا من نفس الجذور التي خرجت منها السنسكريتية، وإيرانية الزند واليونانية واللاتينية، فعندما نجد أسماء الأعداد وأسماء القرابة الأساسية، وأسماء الحيوانات وأسماء النباتات وأسماء الظواهر الطبيعية، والأفعال والصفات الأساسية مشتركة في الجذور نشتبه في أن هذا التواتر ليس نتيجة للتأثر والتأثير وإنما هو نتيجة لوحدة الأصول (۲) . وهو في هذا السبيل سلك عدة مسالك يبغى من ورائها أن يشوه الحقائق ليخدم وجهة نظر خاطئة. فإذا كانت محاولته تهدف إلى مسخ طبيعة اللغة العربية المستمدة من الأصل السامي، فإن هذا لن يتحقق إلا بسلوك طرق تؤدى بها إلى ذلك، ولو كانت على حساب الحقائق العلمية . فجعل العرب – بصفة خاصة – والساميين – بصفة عامة – منذ فجر التاريخ كانوا يقطنون مكانا آخر غير الجزيرة العربية، وزعم أن الجزيرة العربية لم تكن مهدهم الأول بل قدموا إليها من مكان آخر، وحاول – في بيان هذا المكان الآخر – أن يجعله مكانا مشتركا نزل فيه الساميون والآريون جميعا، وأنه لا يوجد جنس يسمى بالساميين إلا في إطار الشجرة العامة الهندية الأوربية . ولما كانت الحقائق التاريخية والبيئية والوثائقية تعرف جماعة إنسانية تسمى الساميين – منذ فجر التاريخ – وتعرف لهم تنقلات وهجرات تمت أصلا – من داخل الجزيرة العربية إلى ما حولها، فإن الدكتور يأبى إلا أن يمسخ طبيعة هذه الجماعة ويجعلها تذوب في الإطار الهند وأوربي بحيث لا يُعرف لها شكل معين أو خصائص تميزها من سواها من الهنود والأوربيين. ومن منطلقه الخاص يحاول أن يفسر نشأة العرب الأولين، فيصر على أنهم قدموا إلى الجزيرة من خارجها لا العكس محاولا بذلك أن يجعل اللغة العربية من فصيلة اللغات الهندية الأوربية . يقول : ولن نستطيع أن نفسر ظاهرة تكون اللغة العربية من عناصر مشتركة الجذور مع اللغات الهندية الأوربية إلا إذا افترضنا أن التكون السكاني لشبه الجزيرة لم يكن فيضانا سكانيا من داخل شبه الجزيرة إلى خارجها أو حوافيها المحيطة بها ولكن كان فيضانا سكانيا من خارج شبه الجزيرة إلى داخلها . ويشرح اعتقاده السابق فيقول : إن المخزن البشرى العظيم الذي خرج منه عديد من أقوام منطقة الشرق القديم منذ الألف الثالثة قبل الميلاد كان المنطقة المحيطة ببحر قزوين من ميديا عبر جبال القوقاز حتى البحر الأسود، وهو يعتنق رأى كنتنو القائل بأن ثلاثة أجناس تعايشت وتحاربت واندمجت في العراق القديم وهم : ( 1 ) السكان الأصليون والسومريون والكاسيون، وهؤلاء اصطلح على تسميتهم بالأسيين. (ب) الهند وأوربيون، وهؤلاء هم الميتاني أو الحريون أو الإيرانيون، ولغة هذين الفريقين هندية أوربية . (جـ) الساميون، وهؤلاء هم الأكاديون من بابليين وآشوريين وعموريين و آراميين، ولغتهم سامية (1) . وقبل أن ندخل إلى مناقشة الدكتور في رأيه نود أن نقول : كلنا يعلم أن الإنسان وجد على ظهر هذه الأرض ولكن أمر وجوده في بقعة واحدة أو أكثر محل خلاف بين العلماء والباحثين . ومهما تكن طبيعة هذا الخلاف ومداه فلابد أن يكون بنو البشر قد عرفوا مقرا واحدا لهم منذ فجر التاريخ، وهذا المقر قد اختلفوا فيه أيضا، ومعظم المؤرخين على أن البقعة التي نزل بها الناجون من الطوفان – نوح وتابعوه – كانت المنطقة المجاورة لمنابع سيحون وجيحون (۲) أو بعض جهات أرمينية، ويقرر بعض المفسرين أن الجودى الذي رست عليه سفينة نوح هو جبل (أرارات) في هضبة أرمينية (۳) فهذا المكان أو ذاك ربما كان الموطن الأصلي للبشرية جمعاء قبل انفصالها وانقسامها، وفي تلك المنطقة كان يعيش الآريون والساميون والحاميون وهم نسل أولاد نوح الثلاثة سام وحام ويافث الذين تنسب إليهم الأجناس البشرية (1) . وهناك كثر التناسل وضاقت الأرض بهم، فبدأ بعضهم الهجرات المتعددة بحثا عن القوت والاستقرار . وكانت الجزيرة العربية وسوريا وفلسطين وأرض الرافدين الموطن التاريخي للشعوب السامية، وقد أقامت فيه إقامة ثابتة متصلة، ولكن ليس معنى هذا أنها لم تنتشر وراء حدود تلك البلاد في غزوات تتفاوت في مداها وطول زمنها، أو للإقامة في مناطق أخرى إقامة دائمة كالهجرة إلى الحبشة على الساحل الإفريقي المواجه لليمن وتأسيس الدولة الفينيقية في أرض كنعان (۱) وإنشاء المستعمرات في بعض جزر البحر الأبيض المتوسط وعلى سواحله الشمالية والجنوبية . وقد استعمل العلماء الأوربيون قرب نهاية القرن الثامن عشر لفظ الساميين» اسما مشتركا لتلك المجموعة من الشعوب التي ينتمى إليها الآراميون والآشوريون والعبريون، والتي تتضح قراباتها من لغاتها دون لبس أو إبهام، وبعد هذا أسند هذا الاسم إلى بقية الفصيلة السامية بعد أن كشف علم الآثار عن شعوب أخرى لها صفات مماثلة (۲) وهم البابليون والفينيقيون والعرب والأحباش (۳). ويدور نقاش وجدل حول الموطن الأصلي للساميين الذي نزل فيه أبناء سام ابن نوح بعد نزوحهم من الموطن الأصلي للبشرية كلها . فذهب فريق إلى أن الموطن الأصلي للساميين كان بلاد أرمينية (٤) بالقرب من حدود کردستان وهو الموطن الأصلى للشعبين السامى والآرى معا، ثم انحدروا منه إلى المناطق الأخرى بأرض الرافدين وسوريا وفلسطين والجزيرة العربية على حد ما ذهب إليه الدكتور لويس عوض . ومن هذا الفريق أرنست رينان وفريتز هومل وبيترز (٥) وفن كريمير وإجنازيو جویدی ودرايفر وغيرهم، ولهم في ذلك أدلة وملاحظات لم تثبت صحتها ولم يؤيدها البحث العلمي الموضوعي. فارنست رينان الفرنسى عرض هذا الرأى في كتابه التاريخ العام للغات السامية الذي ألفه في منتصف القرن الثامن عشر وفيه تحامل على الساميين وآراء دلت البحوث والكشوف الحديثة على خطئها (۱). واعتمد في رأيه هذا على بعض روايات التوراة التي تقول : إن أقدم أرض عمرها بنو نوح – عليه السلام – هي أرض بابل وما نقل عن أحبار اليهود من روايات في هذا الشأن (٢) … ويوافقه في الرأي المستشرق الألماني فن كريمير، واعتمد في ذلك على ملاحظاته الخاصة ببعض الأسماء التي استعملها الساميون فكتب بحثا سنة ١٨٧٥م عن أسماء الحيوانات والنباتات التي أخذها الساميون عن غيرهم، واستنتج من بحثه أن الساميين (۳) لم يكن عندهم اسم مشترك للنخلة أو البلح أو النعام فلابد أنهم عرفوا هذه الأشياء وهم متفرقون في أوطان مختلفة، ولاحظ أنهم كانوا يستعملون اسما مشتركا للجمل يحتمل أنهم عرفوه في موطنهم الأول، وهذا ينطبق على بعض مناطق أرمينية المشار إليها . وقد سبقوا الآريين في خروجهم من هذه المنطقة، وربما حدث هذا تحت ضغطهم وأنهم – بعد هذا – انحدروا من هضبة إيران إلى مشارف العراق الشرقية حيث كونوا أقدم مركز من مراكز الثقافة السامية . ووافقه على ذلك المستشرق الإيطالي جويدى الذى ألف كتابا سنة ۱۸۷۹م درس فيه أسماء المعادن والنباتات والحيوانات والأسماء الدالة على التقلبات الجوية والتغيرات الجيولوجية في اللغات السامية، واهتدى من ذلك إلى أن أسماء هذه الأشياء التي اتحدت أو تشابهت لا تتحقق إلا في إقليم التركستان السابق. ومن القائلين بهذا الرأى أيضا فلوك Vlock في مقاله عن الساميين في دائرة المعارف التاريخية الألمانية، وهو مل قال بذلك أيضا سنة ۱۸۷۹م غير أنه عدل عن رأيه فيما بعد ثم رجع مرة أخرى إلى رأيه الأول سنة ١٩٣٦م، كما أخذ درايفر Driver بهذه النتيجة أيضا (1) . وقد تصدى العلامة المستشرق الألماني الكبير نولدكه (۲) للرد على رينان بأن روايات التوراة مشكوك في صحتها، لأنها لا تستند إلى أسس تاريخية يقينية، وما نقل عن أحبار اليهود مجرد روايات لا يصدقها العقل إذ هي لا تعدو أن تكون رأياً خرافيا لا يمكن أن يكون تعبيرا حقيقيا عما جرى في القديم من الأزمان، لأن الذاكرة – وبخاصة ذاكرة القبائل البدائية – لا يمكن أن تعى هذه الحوادث الماضية بحيث لا يتطرق إليها نقص أو نسيان. كما رد على من درس مجموعات الأسماء السابقة بأن هذا مجرد ملاحظات عابرة، ولا يمكن أن تأخذ طابع الاستقراء، ومن الممكن أن تكون هنالك كلمات متحدة لم يصل إليها، وإن كثيرا من ألفاظ هذه اللغات قد انقرض، وحتى الحى منها قد فقد كثيرا من الألفاظ القديمة التي ورثتها عن اللغة السامية الأصلية. على أنه من الممكن العثور على كلمات مشتركة بين هذه اللغات السامية، ولا توجد مدلولاتها في بلاد التركستان أو منطقة الرافدين . بل إن كلمات كثيرة مثل : جبل – ولد – رجل – شيخ – رحل – خيمة – ليست متحدة في جميع اللغات السامية مع أنه لابد أن توجد في البيئة التي عاش فيها الساميون (۳). وربما كانت هذه الألفاظ المتحدة أو المتشابهة مستعارة من لغات أخرى غير سامية كلغات القوقاز وفارس والأناضول (٤) . ولذا لا يصح أن يقوم الحكم على دراسة بعض الألفاظ كما فعل فن كريمير وجويدي . ويقول أحد الباحثين : إن هذا الافتراض قد أصبح الآن مهجورا لا يقبل عليه أحد (1) . وعلى هذا، فتصور إقامة الأقوام السامية إقامة ثابتة – أول الأمر – في العراق وما حولها مع الهنديين الأوربيين – قبل أن ينحدروا إلى الجزيرة – تصور أثبتت الحقائق أنه لم يكن، وإن صح أنهم كانوا يعيشون معا حينما كان مقر البشر جميعا واحدا فإنهم بعد أن افترق أبناء نوح الثلاثة سام وحام ويافث بحثا عن القوت والاستقرار ونتيجة العوامل الجغرافية والاجتماعية اتخذ الساميون مقرا آخر لهم لم يكن العراق – كما يرى هذا الفريق الذي نقض رأيه بالحجة والبرهان – وإنما اتخذت الجماعة السامية مقراً آخر عاشت فيه قرونا متطاولة قبل أن تبدأ هجراتها المعروفة في التاريخ إلى العراق، وقبل أن تلتقى بسكانه الأصليين والسومريين الوافدين عليه والكاسيين. ومعظم المؤرخين والباحثين على أن الجزيرة العربية كانت المهد الأول للساميين (۲)، ويؤكدون ذلك بأن الجزيرة العربية كانت في عصور سحيقة خصبة تجرى فيها الأنهار وتجود الزراعة ويكثر الرعى، وكانت صالحة للصيد والقنص ويمكنها أن تفى بحاجات الآلاف المؤلفة من البشر (۳) .. ومن أوائل القائلين بذلك من المستشرقين إيرهارد شرادر وفنكلر وتيله وفنسان والأثرى الفرنسي جاك دي مورجان. وفي مقدمة المؤرخين الذين أيدوا هذا الرأى البرنس كيتانی دو تیانو Caetani de teano الإيطالى الذى كان يرى أن هذا القسم – جزيرة العرب – كان في العصور السابقة للتاريخ كثيف السكان مخصب الأرض ، موفور الخيرات، تخترقه ثلاثة أنهر كبيرة على الأقل (۱) ، وأنه على إثر بعض الظواهر البحرية وانحسار جبال الثلج الكبيرة إلى الشمال فقد خصبه وجفت أنهاره فنزح معظم سكانها إلى جهات أخرى . وقد اعتمد في نظريته هذه على أدلة مستمدة من البحوث الجيولوجية التي أحريت بالمنطقة . وقد أفادت أبحاث المستشرق الألماني فريتز هومل أن ميل السطح في شبه الجزيرة العربية وتعرضه للرياح الموسمية ربما كان قد تغير بانخساف في طبقات الأرض فندر الماء في شبه الجزيرة وجفت أنهارها، ولعل سبق اليمن إلى عمارة السدود وخزانات المياه التي من أشهرها سد مأرب يرجع إلى محاولة التغلب على هذا القحط بل لعل المأثورات المتداولة بين عرب الجاهلية عن وجود ما يسمى العرب البائدة مثل عاد وثمود وطسم وجديس وجرهم ووبار هو صدى لتلك الكوارث الجغرافية التي دفعت الساميين الأصليين من سكان بلاد العرب إلى البحث عن القوت في أماكن أخرى (٢) . ومن الملاحظ وجود كثير من الوديان الجافة في صحراء الجزيرة، مما يؤكد أنها بقايا الأنهار التي طمسها التاريخ والحوادث الجيولوجية. وقد التفت العلماء منذ أكثر من نصف قرن إلى ظاهرة تغير المناخ تغيرا كبيرا من الدفء إلى البرد أو المطر إلى الجفاف ودلت الأبحاث الجيولوجية – فعلا – على هذا التغير الكبير الذي حدث في آخر العصور الجيولوجية – عصر البليستوسين أو الزمن الرابع (۱) – وأصبح هذا التغير أمرا مفروغا منه تدل عليه التكوينات الجيولوجية كما تدل عليه الحفريات النباتية والحيوانية (٢). ويؤكد هذه التغيرات الجيولوجية في الأزمان السحيقة ما جرى من انفصال جنوب غربی بلاد العرب عن إفريقيا في العصور الحجرية والجليدية، فقد أثبتت مس كيتن تومسون Miss caton thompson في أبحاثها التي نشرت أن انفصال جنوب غربي بلاد العرب عن إفريقيا الشرقية حدث في حقبة البليستوسين – Pleisto cene أي قبل مليون عام على الأقل (۳). وقد قررت أكبر هيئة علمية في العالم العربي للتربية والثقافة والعلوم أن شبه الجزيرة العربية مع ما قيل من اعتدال طقسها في عهود غابرة قد تعرضت إلى الجفاف على فترات متوالية فضاقت فيها موارد الغذاء مما دفع أهلها إلى الهجرة إلى البلاد المحيطة ووديان الأنهار الكبيرة (٤). واليمن – كما يعترف المحققون من المؤرخين القدامي – كانت خصبة تنمو في سهولها الأشجار والنخيل وأنواع كثيرة من الأعشاب والنباتات، ومن ثم أطلق عليها مؤرخو اليونان اسم بلاد العرب السعيدة Arabia Felix وسماها العرب – منذ القدم – بلاد اليمن ولعله محرف عن (اليمن) بضم الياء وسكون الميم (٥) . واسم عدن ليس بغريب عن نفس الأصل السامي القديم الذي أخذت منه كلمة (عدن) صفة للجنة (1) . وقد نشر بهذا الصدد الأستاذ توينبي Toynbee بعدد 9 ديسمبر سنة ١٩٢٥م، من جريدة منشستر جارديان مقالا ضمنه رأيا قريبا من هذا الرأى (۲). وهذا الفرض كان في عصور موغلة في القدم ثم أعقبه ما أصاب الجزيرة العربية من الجفاف والفحل الذى أدى إلى حدوث الهجرات السامية المتتابعة من الجزيرة إلى خارجها والتي يرى المحققون من المؤرخين أنها بدأت حوالي القرن السادس والثلاثين قبل الميلاد. ويبرهن فريق من المحققين منذ أواخر القرن التاسع عشر على صدق هذه النظرية ببراهين تكاد تكون قاطعة ونذكر أهمها فيما يلى : الأول – ما يؤكده التاريخ من أن الهجرات السامية خرجت من الجزيرة العربية (۳) وكانت على سبيل الغارات والهجرة، فمصادرنا التاريخية تسجل هذه الهجرات وهى هجرات لم يكن بد منها إزاء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية للصحراء، فهذه الأحوال تؤدى إلى ميل مستمر من قبائل الرعي البدوية إلى الاستقرار في المناطق الخصبة حول الصحراء والأخذ بأسباب الحياة الزراعية (٤) . وهذه حقيقة ثابتة بشكل كاف فالتاريخ يدلنا على أن الصحراء العربية كانت نقطة الانطلاق للهجرات السامية والحركات الوحيدة التي سلكت الاتجاه المضاد كانت حركات دفاعية قليلة محدودة النطاق – # الاطلس البليدي# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم