ما تركته البلاد على جسد اللون
صباح اليوم على عاشرة الحقيقة .وسام اللامي.. ذاكرة تنحت المسافة وتلوّن الغياب اميرة ناجي / بغداد ليست الغربة أن يبتعد الإنسان عن المكان الذي ولد فيه، بل أن يكتشف أن الأمكنة التي غادرها ما تزال تنمو داخله، وأن المسافات لا تُقاس بما يفصل المدن عن بعضها، وإنما بما تتركه في الروح من تحولات. هناك أوطان لا نستطيع العودة إليها حتى لو وقفنا في شوارعها القديمة، لأن الزمن يكون قد أعاد تشكيلها في ذاكرتنا. وفنانون لا يرسمون ما رأوه، بل ما تبقى في أعماقهم بعد أن فقدت الأشياء ملامحها الأولى. من هذه المنطقة الملتبسة بين الذاكرة والغياب، بين صلابة المادة وهشاشة الشعور، يمكن الدخول إلى العالم التشكيلي للفنان العراقي وسام اللامي، الذي تبدو تجربته محاولة جمالية لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والمكان، بعيداً عن الاستعادة المباشرة أو الحنين المألوف.يقول النحات السويسري ألبرتو جياكوميتي:كلما عملت أكثر، رأيتُ الأشياء بصورة مختلفة.تفتح هذه العبارة أفقاً لفهم التجربة الفنية باعتبارها تحولاً مستمراً في الرؤية لا مجرد تطور في المهارة. فالفنان لا يعود إلى الأشياء بعينه الأولى، وإنما يحمل إليها ما أضافته السنوات من معرفة وخسارات وأسئلة. وكل عمل جديد يغيّر علاقته بما سبقه، ويمنحه فرصة لاكتشاف ما لم يكن مرئياً من قبل. وفي تجربة وسام اللامي يمكن قراءة هذا التحول عبر انتقاله بين الأمكنة والثقافات، وعبر اشتغاله على الرسم والنحت، حيث لا تبدو الغربة موضوعاً جاهزاً للتصوير، بل خبرة أعادت تشكيل علاقته باللون والكتلة والفراغ.لقد عاش اللامي بعيداً عن العراق، لكن المسافة الجغرافية لا تكفي وحدها لتفسير تجربته. فالغربة الفنية ليست مجرد انتقال من بيئة إلى أخرى، وإنما مواجهة طويلة بين ذاكرة تكونت في مكان، وحياة تستمر في مكان مختلف. وفي هذا التداخل تنشأ حساسية جديدة تجاه الأشياء، ويتحول الماضي إلى مادة قابلة لإعادة التشكيل. ومن هنا يمكن النظر إلى أعماله باعتبارها فضاءً تتجاور فيه الذاكرة مع الاكتشاف، والانتماء مع الاختلاف، والحضور مع ذلك الغياب الذي يصعب منحه شكلاً نهائياً.لا يقدم اللامي العالم في هيئة مشاهد مكتملة، ولا يبدو منشغلاً بإقناع العين بواقعية ما تراه. إنه يترك للون حرية الانفصال عن مرجعه، وللشكل إمكانية التحول، وللمادة حق الاحتفاظ بتاريخها فوق السطح. تتقدم في تجربته حساسية تجريدية تعبيرية واضحة، تتداخل معها خبرته النحتية، فتتحول اللوحة إلى مساحة بناء مادي، ويصبح النحت مجالاً للتجريب اللوني والتكوين الحر.في معالجته التصويرية، يكتسب السطح أهمية تتجاوز وظيفته التقليدية حاملاً للصورة. فاللون لا يستقر دائماً في طبقة متجانسة، وإنما يتراكم ويتداخل ويتفاوت في كثافته، مولداً تضاريس بصرية تمنح اللوحة حضوراً مادياً ملموساً. وتكشف ضربات الفرشاة عن حركة اليد، بينما تؤسس المعالجات الخشنة والملامس المتباينة إيقاعاً داخلياً يتجاوز العلاقات اللونية المعتادة.هنا تظهر أهمية التقنية في بناء التجربة. فالتراكم اللوني ليس مجرد وسيلة للحصول على تأثير بصري، بل يمنح العمل إحساساً بالزمن إذ تحتفظ الطبقات المتعاقبة بآثار ما أضيف إليها وما غُيّر فيها. وتتحول حركة الفرشاة إلى سجل بصري لعملية التكوين، بينما تنشأ من تفاوت السماكات علاقة بين الضوء والظل، تجعل السطح قريباً من التضاريس الطبيعية، أو من جدار قديم احتفظ بعلامات العابرين.وتحضر الألوان الفيروزية والزرقاء في عدد من أعماله ضمن علاقات متوترة مع الدرجات الترابية والبنية والرمادية. ويمكن قراءة هذا التباين باعتباره مواجهة بين عالمين بصريين؛ أحدهما مشبع بالحرارة والكثافة، والآخر يفتح منافذ للبرودة والاتساع. غير أن القيمة التعبيرية لهذه الألوان لا تستقر في رموز محددة، بل في طبيعة حضورها داخل التكوين، وفي قدرتها على إحداث انتقالات شعورية بين الهدوء والاضطراب.ولعل أكثر ما يميز هذه المعالجة أن اللامي لا يمنح اللون وظيفة وصفية خالصة. فاللون يتحول إلى كتلة، والكتلة إلى حركة، والحركة إلى أثر. وهنا تتضح الصلة بين الرسام والنحات في شخصيته الفنية؛ إذ تبدو بعض مساحاته التصويرية مشيدة بروح نحتية، وكأن الفنان يتعامل مع اللون باعتباره مادة يمكن رفعها وخفضها وتكثيفها، لا مجرد صبغة تُوزع على القماش.أما الفراغ، فيحضر عنصراً بنائياً ونفسياً في الوقت نفسه. فالمساحات الواسعة التي تحيط بالتجمعات اللونية تمنح العناصر إحساساً بالعزلة، لكنها تتيح لها أيضاً إمكانية التنفس والامتداد. ويمكن تأويل هذه العلاقة باعتبارها صورة للتوتر بين الإنسان ومحيطه، أو بين الذاكرة والمسافة التي تفصلها عن مصدرها الأول.وفي تجربته النحتية، تتخذ هذه الأسئلة حضوراً مختلفاً. فالجسد الإنساني لا يخضع دائماً لقوانين المحاكاة التشريحية، وإنما يدخل في عمليات اختزال وتحوير، تتحول عبرها الهيئة إلى بنية تعبيرية.تحتفظ الأجساد بإشاراتها الإنسانية الأساسية، لكنها تتحرر من التفاصيل التي قد تقيدها بهوية فردية أو حكاية محددة.إن الجسد عند اللامي قابل لأن يُقرأ باعتباره ذاكرة مجسمة، أو كائناً يبحث عن توازنه داخل العالم. فالانحناءات والامتدادات والعلاقات بين الأطراف والجذع لا تؤدي وظائف شكلية وحدها، وإنما تولد إيقاعات توحي بالتأمل والانتظار والسكينة، وربما بالانفصال عن المكان.وتكشف المعالجة النحتية عن وعي بالعلاقة المتبادلة بين الكتلة والفراغ؛ فالأجزاء الصلبة لا تستمد قيمتها من حجمها وحده، وإنما من الحيز الذي تفتحه حولها، ومن المسافات التي تنشأ بين عناصرها. وهكذا يصبح الفراغ شريكاً في بناء الشكل، لا مجرد محيط خارجي له.وتمنح المعالجات السطحية بعض منحوتاته حضوراً بصرياً إضافياً، خصوصاً في الأعمال التي يتداخل فيها اللون مع الهيئة المجسمة. فالعلامات والخطوط والبقع اللونية تعيد تشكيل إدراكنا للكتلة، وتخلق مسارات بصرية تتحرك فوق انحناءاتها، كأن الجسد تحول إلى مساحة تحتفظ بآثار تجربة أخرى.ومن الناحية الأسلوبية، يمكن مقاربة تجربة اللامي عبر تقاطع التجريد التعبيري مع التعبيرية والنحت الحديث، مع ضرورة التمييز بين المرجعيات التي تساعد على قراءة أعماله والانتماء المدرسي المحدد. فهو لا يبدو معنياً بتكرار الصيغ التاريخية لهذه الاتجاهات، وإنما يستثمر إمكاناتها في بناء لغته الخاصة، مستفيداً من المعرفة الأكاديمية ومن حرية التجريب المعاصر.إن الانتقال بين الرسم والنحت يمنحه مجالاً واسعاً لاعادة التفكير في العلاقة بين البعدين الثاني والثالث. ففي الرسم تظهر الكتلة من خلال كثافة المادة اللونية، وفي النحت يتدخل اللون ليمنح الحجم أبعاداً تعبيرية جديدة. وهكذا لا تبدو الوسيلتان منفصلتين، بل تتبادلان التأثير داخل مشروع تشكيلي تتقدم فيه المادة إلى مرتبة الفكرة.وإذا كانت الغربة قد أتاحت للفنان الاحتكاك بثقافات وبيئات مختلفة، فإن أثرها الأعمق يمكن البحث عنه في تحرر الشكل من ارتباطه بمكان واحد. فالعمل لا يحتاج إلى علامات جغرافية مباشرة كي يحمل ذاكرة منشئه، ولا يحتاج إلى استحضار رموز الوطن كي يحتفظ بأثره. ربما تكفي خشونة السطح، أو حرارة لون أو هيئة جسد معلق بين الحركة والسكون، لفتح احتمالات متعددة للتأويل.من هنا تنشأ علاقة دقيقة بين تجربة اللامي والذاكرة العراقية، بعيداً عن اختزال أعماله في خطاب الهوية. فالذاكرة لا تظهر دائماً على هيئة صورة واضحة؛ قد تكون أثراً غامضاً، أو إيقاعاً متكرراً، أو شعوراً بالمكان يتسلل إلى العمل دون أن يعلن عن نفسه.وهذه إحدى خصائص الفن القادر على تجاوز الحكاية الشخصية. فالتجربة التي تبدأ من حياة الفنان يمكن أن تتحول إلى سؤال إنساني أوسع عن الانتماء والتحول، وعن قدرة الإنسان على الاحتفاظ بذاته وهو يعبر الأمكنة المختلفة.هناك أيضاً علاقة لافتة بين الصمت والحركة في أعماله. فالمساحات الهادئة لا تلغي الاضطراب الكامن في المادة، كما أن الكتل الكثيفة لا تمنع الإحساس بالخفة. تنشأ القيمة الجمالية من هذا التوازن غير المستقر، حيث يتجاور المتناقضان دون أن يلغي أحدهما الآخر.وقد يكون هذا التوتر مفتاحاً مناسباً لفهم تجربته؛ فالفنان الذي عاش بين ثقافات مختلفة لا يحتاج إلى حسم الاختلاف بينها، وإنما يستطيع تحويله إلى طاقة تشكيلية. وما يبدو تعارضاً في الحياة قد يصبح داخل العمل علاقة بين لونين، أو بين كتلة وفراغ، أو بين سطح خشن وآخر أكثر هدوءاً.وفي النهاية، لا تمنحنا أعمال وسام اللامي إجابة قاطعة عن معنى الغربة، لكنها تتيح لنا رؤية أثرها في المادة، وفي الطريقة التي تتغير بها الأشياء بعد مرورها عبر ذاكرة الفنان. فالمسافة التي تفصل الإنسان عن وطنه قد تتحول إلى مسافة بين لون وآخر، والسنوات التي تتراكم في الذاكرة قد تجد امتدادها في طبقات السطح، والجسد الذي يعبر العالم قد يصبح كتلة تبحث عن موضعها داخل الفراغ.إن القيمة التأويلية لهذه التجربة تنبع من قدرتها على إبقاء المعنى مفتوحاً فلا اللوحة تستنفد احتمالاتها في قراءة واحدة، ولا المنحوتة تنتهي عند حدود هيئتها الظاهرة. وفي هذا الانفتاح يجد المتلقي فرصة لإضافة ذاكرته الخاصة إلى ذاكرة العمل. لعل وسام اللامي لا يرسم المكان الذي غادره، ولا ينحت الإنسان الذي كانه قبل الغربة، وإنما يعيد تشكيل تلك المسافة التي نشأت بينهما، ويمنحها وجوداً مادياً يستطيع الآخرون الاقتراب منه.فبعض الفنانين يحملون أوطانهم في حقائب السفر، وآخرون يتركونها تتكلم في أعمالهم. أما وسام اللامي، فيبدو أنه منح المنفى يداً، وترك للذاكرة أن تتعلم لمس الأشياء من جديد.
#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.


