هدى أسعد إشراقات الغابة وذاكرة الضوء
أميرة ناجي / بغداد ناقدة وفنانة تشكيلية في لحظة يتزايد فيها السؤال عن دور الفن في استعادة علاقتنا بالعالم تقف تجربة هدى أسعد كمساحة تأمل تعيد للوحة وظيفتها العميقة لا كصورة تُرى بل كحالة تُعاش هنا لا تُقدَّم الطبيعة كموضوع خارجي بل كامتداد داخلي للذات حيث تتقاطع الذاكرة مع الإحساس ويتحول اللون إلى وسيلة لفهم ما يتوارى خلف المشهد إننا أمام تجربة لا تكتفي بإبهار العين بل تدعو إلى الإصغاء إلى ما تقوله المادة حين تتحول إلى أثر حييقول Vincent van Gogh إنني لا أرسم ما أراه بل ما أشعر به هذه المقولة تفتح أفقا واسعا لفهم تجربة هدى أسعد حيث لا يكون الرسم نقلا للطبيعة بل إعادة تشكيلها من الداخل وفق إيقاع الشعور إن اللون هنا لا يعكس الواقع بل يعيد خلقه في صورة أكثر عمقا وارتباطا بالوجدان وهذا ما يجعل اللوحة تتحول من مشهد بصري إلى تجربة شعورية تتجاوز حدود الرؤية المباشرةفي أعمال الفنانة هدى أسعد تتجلى الطبيعة كمرآة داخلية للروح لا كموضوع منفصل حيث تتحول الأشجار والجذوع والأوراق إلى إشارات حية تنبض بذاكرة الزمن وتستعيد أثر الإنسان في علاقته الأولى بالمكان إننا لا نقف أمام مشاهد طبيعية بقدر ما ندخل إلى فضاء تأملي تتداخل فيه الحواس مع الذاكرة ويتحول اللون إلى لغة قادرة على حمل المعنى العميق للحياة في تحولاتها المستمرةكل جذع ينهض في اللوحة يبدو كأنه شهادة على مقاومة الفناء وكأن الفن هنا لا يكتفي بالتقاط اللحظة بل يعيد بناءها ليمنحها امتدادا يتجاوز حدود الزمن إن هذه الأعمال تضعنا أمام تجربة بصرية تتطلب الإصغاء قبل الرؤية حيث يتقدم الإحساس ليقود فعل التلقي ويصبح النظر عملية اكتشاف بطيئة لما يتخفى خلف السطحتعتمد هدى أسعد على تكنيك يقوم على كثافة الفعل التشكيلي حيث تبدو ضربات الفرشاة واضحة ومباشرة تحمل أثر الجسد وحركته داخل العمل إن السطح لا يظهر كمساحة مصقولة بل كحقل من الطاقة المتراكمة حيث تتجاور الخشونة مع الانسياب في علاقة تمنح اللوحة حيويتها الخاصة هذا الاشتغال لا يسعى إلى إظهار المهارة التقنية بقدر ما يهدف إلى خلق تجربة حسية يشعر فيها المتلقي بملمس اللون وكأنه جزء من تكوينه النفسيفي كل طبقة لونية يمكن قراءة زمن مختلف حيث لا تختفي الطبقات السابقة تماما بل تظل حاضرة كأثر خفي يساهم في بناء العمق البصري للعمل هذا التراكم يمنح اللوحة بعدا زمنيا يجعلها أقرب إلى سجل بصري يحتفظ بذاكرة الفعل الإبداعي إن الفنانة هنا لا ترسم شكلا جاهزا بل تبني العمل عبر حوار مستمر مع السطح حيث تضيف وتمحو وتعيد تشكيل العناصر حتى تصل إلى توازن داخلي يتجاوز الشكل الظاهريالألوان في هذه التجربة تحمل بعدا رمزيا واضحا إذ لا تأتي باعتبارها انعكاسا مباشرا للطبيعة بل كوسيط تعبيري يكشف عن الحالات النفسية والروحية فالأحمر والبرتقالي يظهران كطاقة كامنة تشير إلى الاحتراق الداخلي وإلى دفء الحياة في لحظات تحولها بينما يفتح الأزرق والأخضر مجالا للتأمل والسكينة في مقابل هذا الاندفاع اللوني يتشكل توازن دقيق يعكس جدلية الوجود بين الامتلاء والفراغ وبين الحضور والغيابهذا التفاعل بين الألوان لا يقوم على توزيع عشوائي بل ينبع من وعي جمالي يدرك العلاقة بين اللون والمعنى حيث تتحول المساحات اللونية إلى مناطق شعورية تحمل داخلها توترات خفية إن العين لا تستقر عند نقطة واحدة بل تنتقل بين هذه المساحات كما لو أنها تتبع حركة داخلية غير مرئية وهذا ما يمنح اللوحة ديناميكيتها الخاصةالخط في أعمال هدى أسعد لا يعمل كعنصر تحديد بل كأثر لحركة داخلية يتسلل بين الكتل اللونية ليخلق مسارات بصرية مفتوحة تسمح بتعدد القراءات إن هذه الخطوط تبدو أحيانا كأنها امتداد مباشر لحركة اليد وأحيانا أخرى كأنها إشارات رمزية تحمل بقايا معنى لا يكتمل هذا التردد بين الوضوح والاختفاء يمنح التكوين بعدا تأويليا يجعل المتلقي شريكا في بناء الدلالةتنتمي هذه التجربة إلى التعبيرية الحديثة حيث لا يكون الهدف إعادة تمثيل الواقع بل الكشف عن جوهره الداخلي إن الشكل لا يُلغى تماما بل يعاد تشكيله ليصبح وسيطا للتعبير عن الحالة الشعورية فالطبيعة هنا ليست موضوعا بل لغة تستعير منها الفنانة عناصرها لتعيد صياغتها ضمن رؤية ذاتية تحمل طابعها الخاصمن خلال هذا المنظور تتحول الغابة إلى فضاء رمزي يعكس حالة الإنسان في علاقته مع الزمن حيث تبدو الجذوع المائلة أو المتشابكة كأنها استعارات عن الذاكرة وعن الصراع بين الاستمرار والانطفاء إن هذه العناصر لا تُقرأ بوصفها مكونات طبيعية فقط بل كعلامات تشير إلى هشاشة الكائن وإلى قدرته في الوقت نفسه على التجددالملمس يلعب دورا أساسيا في بناء هذه التجربة حيث تتفاوت كثافة المادة بين مناطق مشبعة باللون وأخرى تكاد تلامس الشفافية هذا التباين يخلق إيقاعا بصريا يجعل السطح يبدو كأنه يتنفس ويتغير مع حركة النظر إن الضوء هنا لا يسقط على اللون فقط بل يتفاعل معه ليكشف طبقاته ويمنحه حضورا متجددا في كل لحظةفي عمق هذه الأعمال يمكن ملامسة حضور الذاكرة الحضارية حيث تستدعي الألوان الترابية والدرجات الداكنة إحساسا بالجذور الأولى للإنسان وبعلاقته بالأرض إن هذا الامتداد لا يظهر بشكل مباشر بل يتجلى كإحساس داخلي يربط العمل بمخزون بصري عميق يجعل اللوحة تتجاوز لحظتها الآنية لتلامس بعدا إنسانيا أوسعاللوحة في تجربة هدى أسعد لا تقدم معنى مغلقا بل تفتح مجالا للتأمل حيث يبقى جزء من الدلالة معلقا ينتظر مشاركة المتلقي إن الفراغات ليست غيابا بل مساحات تمنح العين فرصة لإعادة ترتيب ما تراه ولإسقاط تجربتها الخاصة داخل العمل بهذا المعنى تصبح اللوحة فضاء حوار بين الفنانة والمشاهد حيث لا يكتمل المعنى إلا عبر هذا التفاعلإن ما يميز هذه التجربة هو قدرتها على الجمع بين العفوية والتنظيم بين الانفعال والبناء حيث يبدو السطح حرا في حركته اللونية لكنه يحتفظ في الوقت نفسه بتوازن داخلي يمنع الانفلات البصري هذا التوتر بين الحرية والضبط هو ما يمنح العمل قوته التعبيرية ويجعله قادرا على الاستمرار في إثارة الأسئلةفي النهاية تقف أعمال هدى أسعد كدعوة للتأمل في العلاقة بين الإنسان والطبيعة وبين الذاكرة والحاضر حيث يتحول اللون إلى وسيلة للتفكير ويصبح السطح مجالا لاكتشاف الذات إن هذه اللوحات لا تُرى مرة واحدة بل تُعاد قراءتها مع كل نظرة جديدة وفي كل مرة تكشف عن طبقة مختلفة وكأنها تحتفظ بسر لا يبوح به كاملا بل يظل مفتوحا على احتمالات لا تنتهي هكذا يتحقق حضور الفن كقوة قادرة على إعادة تشكيل وعينا بالعالم وعلى إحياء تلك الدهشة الأولى التي تجعل من التجربة الجمالية ضرورة إنسانية مستمرة..
#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت..


