اميرة ناجي تحاور التشكيلي العراقي ستار لقمان عن تجربته واراء قي الحياة والفن.

الفنان التشكيلي العراقي ستار لقمان
عندما يتحول التراث إلى زخرفة جاهزة أو إلى مجموعة من الرموز المتكررة ، يفقد قدرته على الحياة .

حوار : اميرة ناجي / رحيم يوسف
بغداد
يعد الفنان التشكيلي ستار لقمان المولود ببغداد في العام 1944، والحاصل على درجة الدبلوم من معهد الفنون الجميلة في بغداد في العام 1967 منالفنانين العراقيين الذين أسهموا في ترسيخ التجربة التشكيلية الحديثة عبر مسيرة فنية طويلة ومتنوعة. تفرّغ فيها للفن مبكرًا ، وتمكن من تاصيل تجربة فنية اشارت اليه بوضوح في الوسط الفني التشكبلي العراقي ، وقد ساهم مع مجموعة من الفنانين بتاسيس جماعة البداية في العام 1969، وأسهم من خلالها في الحراك الفني التشكيلي العراقي ، وقد تمخضت مسيرته الفنية عن أقامته للعديد من المعارض الشخصية وكذلك مشاركته في الكثير من المعارض ومازال يواصل العمل والمساهمة في الحراك الفني التشكيلي . وعن تلك المسيره واستلهامه للتراث وشؤون اخرى ، اجاب عن اسئلة الحقيقة مشكورا عبر الحوار التالي .
١. ما الذي تراه في التراث العراقي ولا تراه العين العابرة، ويجعلك تعود إليه باستمرار في تجربتك التشكيلية ؟

  • هذا السؤال استعار دهراً من زمن بغداد، وأخذني إلى زمن بعيد، إلى أيام الواسطي، حين كان يسير في أزقة بغداد ويرسل صورها إلى الزمن. وأنا، حين أتأمل بغداد، أشعر أنني أسير معه في تلك الأزقة، أستعيد زمناً مضى، وأتحاور معه ومع أهله، وألتقي بأناس بغداد في مخيلتي، فأسمع منهم عن جمال مدينتهم وطيبة أهلها ، ما يجذبني في التراث العراقي ليس الأشياء وحدها، وإنما الروح التي تسكن الأشياء. الشناشيل، دجلة، الأزقة، البيوت، النساء، رائحة التراب حين يُرش بالماء عصراً أمام المقاهي، أحاديث الجالسين، طيبة الناس، حالات الزفاف، الموسيقى الشعبية، رقص الأطفال، زغاريد النساء، الفوانيس التي تنير الطرق، والمراجيح والأعياد والعنبر ورد والفراشات التي يحملها الأطفال ، كل هذه التفاصيل ليست بالنسبة لي مجرد صور من الماضي، وإنما ذاكرة حية تعود إليّ كلما وقفت أمام السطح. أشعر أن بغداد لا تزال تسير معي، وأن صورها لا تنتهي، لأن الذاكرة كلما استدعتها ولّدت صورة جديدة .

٢. المدرسة البغدادية ليست مجرد أسلوب فني، بل منظومة بصرية وثقافية. ما الذي أخذته من روحها، وما الذي أضفته إليها من رؤيتك الخاصة؟

  • أخذت من المدرسة البغدادية روح الحكاية، والإنسان، والمكان، والحركة. أخذت منها قدرة الفنان على أن يرى المدينة من الداخل، لا من خارجها، وأن يجعل من التفاصيل اليومية مادة للجمال ، وحين أعود إلى الواسطي، لا أبحث عن تكرار ما فعله، ولا عن استعادة أشكاله كما هي، وإنما أتساءل: كيف كان يرى بغداد؟ وكيف استطاع أن يحفظ شيئاً من روحها عبر الصورة ؟
    ما أضيفه هو تجربتي وذاكرتي الخاصة. فأنا لا أرى بغداد كما رآها الواسطي، وإنما أراها عبر الزمن الذي يفصلني عنه، وعبر الصور التي بقيت في الذاكرة، وعبر ما وصلني من حكايات وتقاليد ومشاهد. لذلك تتحول بغداد عندي إلى ذاكرة ممتدة من الواسطي إلى الحاضر، ومن الحاضر إلى الأجيال القادمة.

٣. كيف تتعامل مع التراث دون أن تتحول اللوحة إلى وثيقة تاريخية أو إعادة إنتاج للماضي؟

  • هنا تبدأ المسألة الحقيقية بالنسبة لي. عندما أقف أمام السطح تتزاحم أمامي صور كثيرة: الأزقة، الشناشيل، النساء، الأطفال، العربات، الطيور، الأسواق، دجلة، المقاهي، الأعياد، والبيوت ، فهل أضع كل هذه الحشود البصرية مرة واحدة ؟ والجواب هو لا ، وهنا أبدأ بالاختزال. أحذف وأضيف، أختار وأترك، حتى تصل الصورة إلى حالة تسمح لمخيلة المتلقي أن تكمل ما لم أقله. أنا لا أريد أن أقدم وثيقة عن بغداد، وإنما أريد أن أوقظ صورة بغداد داخل المتلقي ، أريد للمشاهد أن يرى شيئاً من الأزقة، وأن يتذكر أهلها، وأن يشعر بتقاطع الدروب بين الظلال والنور، وأن يتخيل شمس بغداد الحارة وهي تدخل إلى المكان، وأن يستعيد من ذاكرته ما عاشه أو ما سمعه عن هذه المدينة ، الاختزال عندي ليس حذفاً للتراث، وإنما وسيلة للحفاظ على جوهره وروحه.

٤. لو أتيحت لك فرصة محاورة يحيى الواسطي، ما السؤال الذي ستطرحه عليه، وما الذي تتمنى أن يقوله عن أعمالك؟

  • سأسأل الواسطي:
    يا أقدم فنان بغدادي، كيف كنت ترى مستقبل ما بدأتَه في رسم المنمنمات؟ وهل كنت تتصور أن تلك الصور ستبقى بعدك قروناً، وأن أرواحاً ستأتي بعدك تبحث عن البذور الأولى لجمال فنون بغداد؟
    وسأقول له: إنني اليوم، بعد كل هذه القرون، ما زلت أبحث عن تلك الروح التي وضعتها في صورك.
    وأتمنى أن يقول لي إن الفنان لا ينتهي بانتهاء زمنه، وإن الصورة الحقيقية تستطيع أن تعبر الأزمنة حين تحمل إحساس الإنسان ومكانه وذاكرته ، ربما سأريه ما أفعله، وأسأله: هل ترى في هذه الأسطح شيئاً من بغداد التي كنت تعرفها ؟
    ٥. هل تعتقد أن الفنان يستطيع استعادة بغداد التي لم يعش زمنها اعتماداً على الخيال والذاكرة البصرية وحدهما؟
  • نعم، فالخيال يستطيع أن يعيد بناء زمن لم نعشه، والذاكرة البصرية تستطيع أن تمنحنا مفاتيح الدخول إليه، أنا حين أستحضر بغداد القديمة لا أدعي أنني عشت ذلك الزمن. لكنني أستطيع أن أستعيده من الحكايات، والصور، والعمارة، والمنمنمات، والملابس، والعادات، ومن ذاكرة الناس ، أتخيل مثلاً الأفندي وهو يدخل إلى الدار عبر الدربون، ويرتشف الماء في مجاز الدار، ويسمع أصوات الأطفال وهم يلعبون الدعبل. أتخيل بائع العنبر ورد، والنساء العائدات من السوق وهن يحملن علالي الخوص، وبائع البطيخ بعربته، والنساء اللواتي يلتفن حوله في أزقة المحلة ، هل هناك أجمل من هذه الصور؟
    قد لا أكون عشتها، لكنني أستطيع أن أعيشها بالخيال، وأن أحولها إلى إحساس بصري يصل إلى المتلقي.
    ٦. أين تبدأ حرية الفنان في إعادة تشكيل الرموز التراثية، وأين تنتهي مسؤوليته تجاه هويتها التاريخية؟
  • تبدأ حرية الفنان عندما يتحول التراث من مادة جاهزة إلى تجربة شخصية. أنا لا أريد أن أنقل الرمز كما هو، وإنما أريد أن أكتشف ما الذي يعنيه لي اليوم ، لكن هذه الحرية لا تعني قطع الرمز عن جذوره. هناك مسؤولية تجاه الروح الأصلية للمكان. ولذلك أحاول أن أضع في السطح رمزاً أو تفصيلاً يشير إلى ما أحبه أهل بغداد وعاشوا معه، حتى يبقى هناك خيط يصل الصورة الجديدة بأصلها، قد يحدث الاختزال في كثير من الأسطح، وقد تتغير الأشكال والألوان، لكن يجب أن يبقى شيء يؤكد أصالة الصورة وأنها جاءت من نسائم بغداد وروح أهلها.
    ٧. ما الذي يحدث داخل مرسمك عندما تتحول الحكاية الشعبية أو المشهد البغدادي إلى تكوين تشكيلي؟ وكيف تختار ألوانك وتقنياتك؟
    *داخل المرسم تبدأ الصور بالتزاحم. أحياناً أشعر أنني لا أبحث عن الصورة، بل إن الصور هي التي تبحث عن مكان لها أمامي ، أتأمل وأسـرح في خيالي: دروب تتقاطع، ظل ونور، شمس بغداد، بيوت، شناشيل، أطفال، نساء، عربات تجرها الخيول، طيور تقف فوق الأسطح وتبني أعشاشها ، ثم أبدأ بالاختيار ، ليس المطلوب أن أنقل كل شيء، وإنما أن أبحث عن الصورة التي تستطيع أن تحمل أكبر قدر من الإحساس بأقل قدر من العناصر. لذلك تأتي الألوان والخطوط والتكوينات نتيجة لهذا الاختزال، وتصبح جزءاً من الذاكرة، لا مجرد وسيلة لوصف المكان .
    ٨. إذا جرّدنا لوحاتك من عناصرها التراثية المعروفة، فهل تستطيع الألوان والخطوط والتكوينات وحدها أن تكشف عن هويتها العراقية؟
  • أعتقد أن الهوية لا تسكن في الرمز وحده. قد نحذف الشناشيل أو دجلة أو الملابس أو الأشخاص، ومع ذلك يمكن أن تبقى روح بغداد في طريقة بناء الصورة، وفي الحركة، وفي العلاقة بين اللون والضوء، وفي الإيقاع الذي تتجاور به العناصر ، أنا أبحث دائماً عن تلك المنطقة التي يصبح فيها التراث إحساساً وليس علامة مباشرة ، فالهوية الحقيقية لا تحتاج دائماً إلى أن تقول: هذا بغدادي. أحياناً يكفي أن يشعر المتلقي أن هناك شيئاً مألوفاً، شيئاً يوقظ داخله ذاكرة قديمة، فيتوقف أمام السطح ويشعر أن شيئاً من ماضيه يتحرك داخله.
    ٩. هل تخشى أن يتحول التراث في الفن المعاصر إلى صورة جمالية مألوفة تفقد قدرتها على إثارة الأسئلة؟ وكيف تواجه هذا التحدي في أعمالك؟
  • نعم، وهذا أحد أكثر الأمور التي أفكر فيها. عندما يتحول التراث إلى زخرفة جاهزة أو إلى مجموعة من الرموز المتكررة، يفقد قدرته على الحياة ، لذلك لا أريد أن أقدم بغداد كما يعرفها الناس فقط، وإنما أريد أن أبحث عما يمكن أن يحدث عندما تدخل بغداد القديمة في حوار مع الزمن الجديد، الأجيال تتبدل، والصور تتغير، لكن حس بغداد يبقى بروح أهلها، وبامتداد تقاليدها وانتقالها من جيل إلى جيل ، ولهذا لا تنتهي الصور عندي. كل صورة تولد صورة أخرى، وكل سطح يفتح أمامي احتمالاً لسطح جديد. بغداد في الذاكرة لا تنتهي؛ إنها تسير مع الزمن، مع حداثته ومستقبله.
    ١٠. لو طلب منك أن تترك للأجيال القادمة لوحة واحدة تختصر علاقتك ببغداد وتراث العراق، فما المشهد الذي ستختاره، وما الرسالة التي تريد أن تبقى بعدك؟
    *ربما لن أختار مشهداً واحداً بالمعنى الحرفي، لأن بغداد بالنسبة لي ليست مشهداً واحداً. إنها حشد من الصور التي تتوالد داخل الذاكرة ، لكن إذا كان عليّ أن أختار صورة واحدة، فسأختار بغداد التي تتجمع فيها الأزقة والبيوت والنساء والأطفال والطيور والضوء والظل، بغداد التي يعيش فيها الإنسان وتبقى حوله آثار الماضي ، أريد أن أترك للأجيال فكرة واحدة: أن يبحثوا عن الطينة الحقيقية التي خرجت منها بغداد، وأن يعرفوا أن التجديد لا يعني قطع الصلة بالأصل، وأتمنى من الجيل الجديد من الفنانين الشباب ألا ينشغلوا فقط بإيجاد صورة جديدة، وإنما يبحثوا عن عمل يحمل روح المكان وإحساس الإنسان العراقي، وأن يضعوا في أعمالهم رمزاً أو إحساساً يشير إلى ما أحبه أهل بغداد وعاشوا معه ، السير في هذا الطريق، في رأيي، يمكن أن يوصل الفنان إلى الأصل؛ إلى تلك الطينة التي لا يوجد مثلها في أي مكان آخر ، فالأجيال تتبدل، والأشكال تتغير، والزمن يمضي، لكن الحنين إلى الأصل يبقى. وهذه هي بغداد التي أريد أن تبقى في الذاكرة .

#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم