“النقاط الحمراء” تفتح نافذة على ولادة الثقوب السوداء العملاقة

تشير إحدى الفرضيات إلى أن بعض هذه النقاط قد تكون كتلًا كثيفة وهائلة من الغاز تحيط بثقوب سوداء تنمو في مراكزها، في مرحلة قد ترتبط بنشأة الثقوب السوداء فائقة الكتلة…

قد تكون الأجسام الحمراء المدمجة التي كشفها تلسكوب جيمس ويب الفضائي في الكون المبكر نافذة على مرحلة غير معروفة سابقًا من تشكّل الثقوب السوداء فائقة الكتلة، وفق دراسات طيفية تحاول تفسير طبيعة ما بات يُعرف باسم “النقاط الحمراء الصغيرة” (Little Red Dots).

وبدأت هذه الأجسام تسترعي اهتمام الفلكيين منذ أن أرسل “جيمس ويب” أولى صوره العلمية عام 2022، إذ بدت صغيرة وشديدة السطوع مقارنة بعمر الكون في الفترة التي ظهرت فيها. وأثار ذلك تساؤلات بشأن الآلية التي سمحت بتكوّن أجسام بهذه الخصائص خلال مئات الملايين الأولى من السنين بعد نشأة الكون.

وتشير إحدى الفرضيات إلى أن بعض هذه النقاط قد تكون كتلًا كثيفة وهائلة من الغاز تحيط بثقوب سوداء تنمو في مراكزها، في مرحلة قد ترتبط بنشأة الثقوب السوداء فائقة الكتلة. في المقابل، يرى باحثون أن خصائصها يمكن تفسيرها أيضًا بثقوب سوداء نشطة أكثر تقليدية تحيط بها كميات كبيرة من الغاز والغبار.

وصُمم “جيمس ويب” لرصد الإشعاع الخافت القادم من مسافات سحيقة، ما أتاح دراسة حقب مبكرة من تاريخ الكون بتفاصيل لم تكن ممكنة بالتلسكوبات السابقة. ومع زيادة فترات رصد النقاط الحمراء الصغيرة، تمكن العلماء من الحصول على أطياف أكثر دقة، تسمح بتحليل تركيب الضوء واستنتاج الظروف الفيزيائية داخل هذه الأجسام.

وأظهرت أطياف بعض النقاط خطوطًا واسعة للهيدروجين تمتد عبر نطاق من الأطوال الموجية، وهي علامة يمكن أن تنتج عن غاز يتحرك بسرعات مرتفعة بالقرب من ثقب أسود. ودفع ذلك إلى طرح احتمال أن تكون بعض هذه الأجسام مرتبطة بثقوب سوداء فائقة الكتلة في طور نمو سريع داخل مجرات مبكرة.

وازداد الغموض بعد رصد أجسام شديدة الاحمرار في 2025، أظهرت ضعفًا واضحًا في الضوء عند الأطوال الموجية الزرقاء، إلى جانب تغير طيفي بارز يُعرف باسم “انقطاع بالمر” (Balmer break)، ويرتبط بخصائص الهيدروجين ويمكن أن يظهر في أطياف النجوم والمجرات وفي نماذج للغاز الكثيف المحيط بثقوب سوداء.

ومن هنا برز نموذج أطلق عليه الباحثون اسم “النجم ذو الثقب الأسود” (Black Hole Star)، ولا يشير إلى نجم بالمعنى المعتاد، وإنما إلى ثقب أسود تحيط به كتلة كثيفة من الهيدروجين.

ووفق هذا التصور، يجذب الثقب الأسود المادة المحيطة به، فتسخن وتطلق الطاقة، بينما يعيد الغلاف الغازي الكثيف تشكيل الضوء الخارج من النظام، ما يمنحه مظهرًا مختلفًا عن الثقوب السوداء النشطة المعروفة.

وترى الباحثة في معهد ماكس بلانك لعلم الفلك، آنا دي غراف، أن خصائص هذه الأجسام لا تشبه ما اعتادت التلسكوبات الأرضية رصده، فيما طرح عالم الفلك روهان نايدو احتمال أن يكون “جيمس ويب” قد كشف مرحلة جديدة مرتبطة بنشأة الثقوب السوداء فائقة الكتلة.

غير أن تفسير “النجم ذي الثقب الأسود” لم يحسم الجدل. ويطرح عالم الفلك روبرتو مايولينو تفسيرًا آخر يقوم على وجود ثقوب سوداء نشطة محاطة بكميات كثيفة من الغاز والغبار، تستطيع حجب جزء من الإشعاع، بما في ذلك الأشعة السينية، وإنتاج عدد من الخصائص المرصودة من دون الحاجة إلى افتراض فئة جديدة من الأجسام.

وتتقاطع هذه النقاشات مع نموذج نظري آخر يُعرف باسم “أشباه النجوم” (Quasi-stars)، يقوم على وجود غلاف غازي هائل يحتوي في داخله ثقبًا أسود حديث التكوّن. وتشير نماذج نظرية إلى أن مثل هذه الأجسام يمكن أن تستمر ملايين السنين، وهي مدة قد تجعل رصدها ممكنًا في الكون المبكر.

وفي آب/أغسطس 2026، ظهرت نتائج تشير إلى أن أعداد النقاط الحمراء الصغيرة تتناقص مع تقدم عمر الكون واقترابه من نحو ملياري إلى 3 مليارات سنة، وهو ما يدعم احتمال ارتباطها بمرحلة انتقالية قصيرة نسبيًا في نمو بعض الثقوب السوداء والمجرات المبكرة.

ولا تزال طبيعة هذه الأجسام موضع بحث، إذ يحتاج العلماء إلى المزيد من القياسات الطيفية الدقيقة للتمييز بين السيناريوهات المختلفة ومعرفة مقدار الضوء الصادر عن النجوم والغاز والثقوب السوداء داخلها.

ومع استمرار “جيمس ويب” في جمع بيانات أعمق عن الكون المبكر، قد تساعد النقاط الحمراء الصغيرة في الإجابة عن أحد أبرز الأسئلة في علم الفلك الحديث: كيف تمكنت الثقوب السوداء فائقة الكتلة من الظهور والنمو إلى أحجام هائلة في فترة مبكرة جدًا من تاريخ الكون؟

******
المصادر
عرب ٤٨
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم