الناقد السينمائي “كَنتْ جونز” يعمل على تحويل أحد أهم المراجع السينمائية (كتاب هتشكوك)..لفيلم وثائقي يحتوي على الكثير من الخبرات والتفاصيل.

كَنتْ جونز يؤنسن الكتاب ويفكّك الأسطورة يعيدنا الناقد السينمائي كَنتْ جونز (بالتعاون مع سيرج توبيانا) الى كتاب “هيتشكوك – تروفو”، المعروف أحياناً باسم “هيتشبوك”، ليحوّل أحد أهم المراجع السينمائية فيلماً وثائقياً يفيض بالشرح والتحليل والتنقيب في أعمال واحد من أكثر المخرجين تأثيراً: ألفرد هيتشكوك (1899 – 1980). نعود الى بداية بزوغ الفكرة، يوم قرر فرنسوا تروفو، آنذاك في مقتبل تجربته، أن يحاور هيتشكوك، مع التذكير أن معلّم التشويق لم يكن في تلك الفترة (1962) الاّ حرفياً و”صانعاً”، وصاحب أفلام تجارية في نظر معظم النقّاد الأميركيين. كان ينبغي وصول “الموجة الجديدة” في فرنسا واكتشاف أعضائها – من تروفو الى رومير فشابرول – أفلام هيتش، كي يذهب النقد الى عمق أفلامه. الفيلم يضمّ شلة من السينمائيين المعروفين وهم يتحدثون بإعجاب وشغف عن سيرة هيتش المهنية، انطلاقاً من عينات محددة نراها على الشاشة. سكورسيزي، بوغدانوفيتش، شرايدر، دبلشان، أساياس، غراي، فينتشر، الخ. يكفي أن نستمع الى سكورسيزي وهو يغوص في تفاصيل “فرتيغو”، أو لينكلايتر حين يعتبره نحّات الزمن، أو أساياس عندما يشرح، مدعوماً بلقطات من الأفلام، ان هيتش منظّر الفضاء. بوغدانوفيتش في المقابل يقول انه كان يرى كلّ شي في دماغه قبل طرحه على الشاشة. بعضهم يسترسل في الشرح إلى درجة انه لا يستطيع الفكاك من الجملة التي تلفّ عنقه.يستند الشريط الصوتي للفيلم الى تسجيلات تروفو أثناء الحوار. سماع هيتش وهو يتكلم بصوته المهيب يضع الفيلم في منطق تلقٍّ آخر يختلف عن منطق القراءة. ما أقصد ان مضمون الكتاب بصوت هيتش يعطيه بُعداً آخر، وربما يضفي عليه بعض الشكّ والايقاع، ويكشف تلميحاته المحبّبة. وقفة من هنا وتردد من هناك، فيكتسب الكتاب “أنسنة” قد لا يتلمسها المرء خلال المطالعة التي لا شك انها توفر متعة من نوع آخر. نتعلم من الفيلم ان التشويق لا يعني بالضرورة الشعور بالخوف، ونكتشف ان العادي لم يكن يثير شغف المعلّم، بل كان يلجأ أحياناً الى حبكة تضرب بالمنطق عرض الحائط. يركز جونز كثيراً على اسلوبية هيتش والعناصر البصرية. احدى الشهادات تؤكد انه يمكن اطفاء الصوت عند مشاهدة أفلامه فهذا لن يغيّر الكثير، وهو تعليق قد ينطوي على شيء من المبالغة عندما نتذكر أهمية الموسيقى (خصوصاً برنارد هرمان) في أفلامه. في المقابل، نفهم جيداً حاجة هيتش الى بلورة الدلالات البصرية لأفلامه، فهو كان، بالاضافة الى نزعته الى الزيف السينمائي، مشغولاً بالسينما الخالصة التي ورثها من الأفلام الصامتة.كون اللقاء غير مصوّر، نكتفي ببعض الصور بالأبيض والأسود التُقطت خلال اللقاء الذي جمع الرجلين والمترجمة هيلين سكوت التي نقلت كلام هيتش الى الفرنسية (كان يتكلم القليل منها). يتأخر “هيتشكوك – تروفو” عند ثلاثة أفلام بشكل خاص: “الرجل الخطأ” (1956) و”فرتيغو” (1958) و”سايكو” (1960). الفيلم الأول واحد من أقل أفلامه شهرة، أما الثاني والثالث فتكفلا صناعة اسمه كسينمائي مؤلف من الدرجة الأولى. الخطيئة والاحساس بالذنب يتعقبان كلّ أفلام هيتشكوك أو تقريباً. كلّ شخصية من الشخصيات لديها ما تخفيه أو ما تخبئه. لولا تربية هيتشكوك الكاثوليكية لكان من المستحيل أن ينجز فيلماً كـ”الرجل الخطأ”. عندما يسأله تروفو خلال مقابلته معه اذا كان يقبل بأن يُصنَّف فناناً كاثوليكياً، يطلب منه توقيف آلة التسجيل كي يتحدث عن هذا الموضوع، لأن “سؤالاً كهذا يتطلب توقيفها”. الحديث عن “فرتيغو” يطول، ذلك ان هذه التحفة فيه عدد لامتناهٍ من القراءات، معظمها بسيكولوجي. انه منجم ذهب في هذا المجال، وينبغي سماع هيتشكوك وهو يتحدث عن انتصاب جيمس ستيورات في مشهد ما عُرف بـ”الغرفة الخضراء”، كي نصبح على يقين كم ان صيته كسينمائي “منحرف” ليس دائماً اسطورة.عند الحديث عن “سايكو”، في طبيعة الحال يعود الحديث الى مشهد استحمام جانيت لي وقت.لها تحت الدوش. مشهد من ٧٠ لقطة، استلزم تصويره سبعة أيام لأقل من دقيقة على الشاشة. يروي شرايدر كيف تلقى الجمهور ذلك المشهد الاسطوري عندما عُرض للمرة الاولى، قائلاً ان مشاهدة فيلم أصبحت للمرة الأولى أمراً خطراً. في هذا السياق، لا يخفي هيتشكوك اهتمامه بالجمهور، مادحاً مراراً عظمة السينما وسطوتها على العقول، ويقول: “اذا أنجزتَ فيلماً جيداً، فسيصرخ الياباني في المشهد نفسه حيث سيصرخ الهندي”. لا تكفي المجلدات لتعداد مزايا هيتش الذي يستند جزء من عبقريته الى كونه جعل تيمات “منحرفة” مقبولة من الجمهور العريض. مَن لم يقرأ كتاب تروفو المرجعي، سيتحمس لقراءته بعد فيلم جونز، ومَن يعرفه جيداً، سيكتشف نوعاً من “مايكينغ أوف” لطيف. يذهب جونز أبعد من الكتاب وأبعد من السينما وأبعد من الاسطورة، ليحبك قصة علاقة بين رجلين، تروفو وهيتشكوك، كلّ واحد أغنى الآخر على طريقته.# الناقد السينمائي هوفيك حبشيان# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم