يتتبع الفيلم الوثائقي “الناجون من تشي” عملية الهروب المذهلة لآخر مقاتلي حرب العصابات في بوليفيا.
سمير حنا خمورو
يعرض في باريس منذ يوم 9 تشرين الأوّل/ سبتمبر 2026 في دور السينما فيلم “الناجون من تشي” survivants du Che هو فيلم وثائقي فرنسي من إخراج كريستوف ديميتري ريفيّ Christophe Dimitri Réveille. بعد ستين عامًا، يروي آخر رفاق تشي الأحياء هذه القصة غير المروية عن الصمود والولاء، حيث تشكلت مصائرهم الفردية بفعل التيارات الجيوسياسية الكبرى للحرب الباردة.
يأخذنا الفيلم الوثائقي بعد انتصار الثورة الكوبية عام 1959، إلى تشرين الأول/ أكتوبر1967 في بوليفيا. قصة مغامرة استثنائية للثوري إرنستو “تشي” جيفارا (1928-1967)، المقاتل الأرجنتيني الذي نادى بثورة عالمية، مع عدد من رفاقه، الذي حاول إشعال انتفاضة شعبية في جبال بوليفيا قادرة على الإطاحة بالنظام القائم. سرد يضمّ أناسًا طواهم النسيان، أعادتهم السينما إلى دائرة الضوء. رحلةٌ آسرةٌ تُحيي حقبةً منسية بأكملها، كادت أن تندثر. باستخدام الشهادات والصور الأرشيفية، ومقابلات حصرية، والرسوم المتحركة، يبني المخرج الفرنسي سردًا مثيرًا عن مطاردة الجيش البوليفي لإرنستو تشي جيفارا وهروب ما بقي من رفاقه المقاتلين.
في عام 1966، كانت بوليفيا محكومة بدكتاتورية عسكرية بقيادة الجنرال رينيه باريينتوس René Barrientos، الذي أطاح بالرئيس المنتخب فيكتور باث إستنسورو Víctor Paz Estenssoro في انقلاب وأنهى ثورة عام 1952.
وصل “تشي” جيفارا إلى لاباز، بوليفيا، في 3 نوفمبر 1966، عبر البرازيل، بجواز سفر مزور، ومرّ عبر نقاط التفتيش المختلفة دون أي حادث وهو متنكر. تألفت المجموعة المكونة من 47 مقاتلاً، والتي اتخذت اسم “جيش التحرير الوطني” (ELN)، بشكل رئيسي من البوليفيين، ولكنها ضمت أيضاً ستة عشر كوبياً من الدائرة المقربة لجيفارا، وعدداً قليلاً من البيروفيين والأرجنتينيين.
اعتقد جيفارا أنه لا يواجه سوى الجيش البوليفي ضعيف التدريب والتجهيز. إلا أنه عندما علمت الحكومة الأمريكية بوجوده، أُرسلت وكالة المخابرات المركزية والقوات الخاصة (بما في ذلك كتيبة من قوات رينجرز التابعة للجيش الأمريكي المتمركزة بالقرب من منطقة المقاومة) لتدريب الجيش البوليفي ودعمه.
ولكن لم يتلقَ الثوار أي دعم من فلاحي المنطقة ولا من الحزب الشيوعي المحلي الخاضع لموسكو رغم وعوده.. وبعد مطاردة الجيش البوليفي، الذي تلقى دعمًا لوجستيًا أمريكياً، دارت معارك عديدة خلال فصل الصيف. في الأول من آب / أغسطس، أرسلت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية عميلين كوبيين أمريكيين لتعزيز البحث عن جيفارا: غوستافو فيلودو وفيليكس رودريكيز، في الحادي والثلاثين من الشهر نفسه، نُصب كمين لرتل فيلو أكونيا، الذي كان يضم تانيا المراة الوحيدة في المجموعة ، أثناء عبوره نهرًا: كان ريستيتوتو كابريرا الناجي الوحيد، لكنه أُسر وأُعدم بإجراءات موجزة في الرابع من أيلول/ سبتمبر. عُرضت جثثهم في البداية كغنائم ثم دُفنت سرًا.
أُلقي القبض على آخر عنصر من عناصر جيش التحرير الوطني في المناطق الحضرية في 15 أيلول / سبتمبر، كانت كتيبة تشي معزولة، منهكة جسديًا، وقد نفد منها ماء الشرب، واضطرت أحيانًا لحمل قائدها الذي كان يعاني من نوبات ربو حادة. ورغم كل ذلك، ظل تصميم جيفارا راسخًا، وواصل دفع رجاله إلى الأمام، كما فعل عندما عبروا هاوية اعتبرها الآخرون مستحيلة، لكنه عبرها رغم حالته.
انقطع طريق انسحاب المجموعة باتجاه نهر ريو كراندي، مما أجبرهم على الصعود مرة أخرى إلى الجبال باتجاه قرية لا هيكيرا الصغيرة حيث تعرضت الطليعة لكمين وفقدت ثلاثة رجال في 26 إيلول. تمكن الناجون الـ 17 من الفرار مرة أخرى وفي 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر بدأوا في النزول عائدين باتجاه نهر ريو كراندي.
علمت القوات الخاصة البوليفية بموقع معسكر المقاتلين من أحد المخبرين. وصل بسرعة أكثر من 1800 جندي إلى قرية لا هيكيرا. في اليوم التالي، حوصر المعسكر في وادي (كويبرادا ديل يورو)؛ فأمر جيفارا بتقسيم المجموعة إلى قسمين، فأرسل المرضى إلى الخلف وبقي مع بقية المقاتلين لصد القوات البوليفية.
وبعد ثلاث ساعات من القتال، أُسر الثوري الشهير تشي جيفارا على يد عناصر من الجيش البوليفي في 8 تشرين الأول/ أكتوبر، مع سيميون كوبا سارابيا. استسلم بعد إصابته في ساقيه وتلف مزلاج بندقيته برصاصة.
نُقل الأسيران إلى مدرسة مهجورة في قرية لا هيكيرا La Higuera المجاورة في مقاطعة سانتا كروز. وُضعت جثث المقاتلين الآخرين هناك، واحتُجز خوان بابلو تشانغ نافارو، الذي أُسر في اليوم التالي، بين الجثث.
في تمام الساعة الواحدة بعد الظهر، يوم 9 تشرين الأول 1967، أصدر الرئيس باريينتوس أورتونيو الأمر بإعدام المقاتلين. فقد ضغطت وكالة المخابرات المركزية من أجل إطلاق النار على جيفارا. أُعدم رمز الماركسية اللينينية جيفارا في الساعة 1:10 بدم بارد. وقبل وقت قصير من إعدام تشي جيفارا، تم إعدام سيميون كوبا وخوان بابلو تشانغ. تم نقل جثته وجثث المقاتلين الآخرين القتلى بواسطة الجيش البوليفي بمساعدة ضباط أمريكيين وعملاء وكالة المخابرات المركزية بواسطة طائرة هليكوبتر إلى فاليكراندي Vallegrande، مدينة في بوليفيا، وتحديداً عاصمة مقاطعة فاليكراندي. وعُرضت جثته على المصورين، ووسائل الإعلام العالمية في غرفة غسيل المستشفى المحلي، الذي تم تحويله إلى مشرحة.
أنطلق ستة من هؤلاء الثوار الموالين له، والناجين في رحلة هروب شاقة أمتدت 2400 كيلومتر على مدى خمسة أشهر عبر الأدغال للوصول إلى تشيلي المجاورة، بينما كان يطاردهم نحو 4000 جندي بوليفي. وصل خمسة منهم في نهاية المطاف إلى الحدود التشيلية، حيث وفر لهم السيناتور الاشتراكي سلفادور أليندي الحماية وأجلاهم، بعد أن اضطروا إلى تصفية أحد رفاقهم الذي أصيب بجروح خطيرة على يد الجيش البوليفي. ووفقًا لهاري فيليكاس (“بومبو”)، على أمل الوصول إلى كوبا.
وفي النهاية تمكنوا العودة إلى كوبا بفضل أليندي…وديغول. إنه فيلمٌ عن الالتزام، والقناعات الإنسانية، والتضامن، ويختتمه ريجيس ديبري، أحد الناجين، بأسلوبه الخاص: “قصتنا تنتمي إلى الماضي، إلى حقبةٍ ولّت، في مكانٍ بعيد. ومع ذلك… هناك شيءٌ ما، جوهرٌ أساسي: أن المستحيل ممكنٌ دائمًا. وفي صراع الضعيف ضد القوي، قد تشعر أحيانًا بالرغبة في الاستسلام، ثم تتمسك. ويحدث شيءٌ لم يكن ليخطر على بال أحد.”
المشاركون في الفيلم؛ فانسان ليندون: الراوي، داريل ألاركون راميريز، المعروف باسم “بينينو”، هاري فيليكاس، المعروف باسم “بومبو”، ليوناردو تامايو نونيز، المعروف باسم “أوربانو”، إيفراين كيكانيس، المعروف باسم “النيكرو”، الكاتب والفيلسوف والمناضل الفرنسي ريجيس دوبريه، ايوروا مونتانو، كييرمو أ. أكيري بالما، كاري برادو سالمون، ضابط عسكري ودبلوماسي بوليفي، وفيليكس رودريكيز، مواطن أمريكي متجنس وضابط سابق في وكالة المخابرات المركزية، معارض لنظام كاسترو.
أمضى المخرج الوثائقي كريستوف ريفيي عشرين عامًا في إعادة بناء هذه الرحلة، متتبعًا تاريخ هؤلاء الرجال وسياق كفاحهم، ولقاءهم، ودورهم، وبطولاتهم للبقاء على قيد الحياة، ومصيرهم بعد ذلك. عثر على ثلاثة من الناجين الستة، وهم “بينينو” و”أوربانو” و”بومبو”، وأجرى معهم مقابلات مصورة. وإلى جانب هؤلاء المقاتلين الذين واجهوا الجيش للفرار، توجد مقتطفات من خطابات أرشيفية لأندريه مالرو، وصور للمثقف الفرنسي الشاب ريجيس ديبري في محاكمته في بوليفيا، وخروجه من السجن، وحديثه مع سلفادور أليندي. كما تتضمن مقابلات مع عملاء من الجيش البوليفي ووكالة المخابرات المركزية من تلك الحقبة.
كتب السيناريو المخرج مع فانسان ليندون . التصوير السينمائي رافائيل روب، مونتاج جوليان شيكه، الإخراج الفني للرسوم المتحركة سيمون جيليو، موسيقى جوليان شيكه، جيل ألونزو، وماتيو دي ستيفانو. مدته ساعة و38 دقيقة.
#سينما العالم#مجلة ايليت فوتو ارت.

