مقاومة الشفاء عند فرويد: لماذا يتمسك المريض بعقده وأعراضه؟
يفترض المنطق الظاهري أن المريض الذي يقصد العيادة النفسية يحمل رغبة واعية وصريحة في التخلص من آلامه والشفاء من عقده. غير أن التجربة الإكلينيكية تكشف عن حقل من الألغام النفسية؛ فبمجرد اقتراب المحلل من جذور الصدمة، يستنفر عقل المريض حيلاً دفاعية لمنع تقدم العلاج، فيما يُعرف بظاهرة “مقاومة الشفاء”.
يبيّن فرويد أن عملية التحليل النفسي تطورت من فك رموز الأحلام واسترجاع الذكريات، إلى استراتيجية تركز على “تحليل المقاومة” ذاتها، ودفع المريض للانتباه إليها وإدراك آلياتها. ينبع التحدي من أن المريض لا يستطيع استرجاع الجانب الأساسي من عقده كمادة للذاكرة، بل يجد نفسه ملزماً بإعادة تمثيلها وتكرارها في حاضره، مسقطاً انفعالاته المكبوتة على شخص الطبيب، وهو ما يجسد قوة “إجبار التكرار”.
يطرح هذا التكرار للمآسي القديمة إشكالية: إذا كان التكرار يسبب الألم، فلماذا يتشبث به المريض؟ يجيب فرويد بأن المقاومة لا تصدر عن الكبت نفسه، أي لا تنبع من القوى اللاشعورية الغريزية (الهو) التي تسعى دوماً للإشباع والظهور، بل تصدر عن طبقات أعلى في البناء النفسي، وتحديداً من “الأنا” الشعورية وما قبل الشعورية. فـ”الأنا” التي سبق أن مارست الكبت لحماية النظام النفسي في الماضي، هي ذاتها التي تقاوم الآن محاولات الطبيب لفكه.
تستخدم “الأنا” مبدأ اللذة درعاً دفاعياً؛ فاسترجاع الخبرات المكبوتة وحل العقد المتجذرة يتطلبان مواجهة آلام نفسية حادة لا يحتملها المريض. ولتجنب هذا الألم الناتج عن العلاج، تفضل الأنا التمسك بالمرض العصابي وتجلياته التكرارية المألوفة، رغم ما تسببه من معاناة على المدى الطويل. وهكذا يصبح إجبار التكرار في السياق العلاجي أداة تستغلها الأنا لمقاومة التغيير، ما يجعل معركة المحلل النفسي مزدوجة: فهو يبحث عن الذكريات المفقودة، ويصارع في الوقت نفسه كيان “الأنا” الذي يفضل أمان المرض على ألم الشفاء.
[سيجموند فرويد، ما فوق مبدأ اللذة، ترجمة إسحق رمزي، دار المعارف، 1952]
#مقاومة_الشفاء #التحليل_النفسي #الدفاعات_النفسية#مجلة ايليت فوتو ارت.


