المراهقة المتأخرة, في علم النفس العائلي او الطفل المفقود.

… نظرية “الطفل المفقود” في علم النفس: عندما يحمل الكبار طفولتهم الضائعة (المراهقة في الكبر)… مفهوم “الطفل المفقود”في علم النفس العائلي، وخاصة في نظريات العلاج الأسري والديناميكيات النفسية، يشير مصطلح “الطفل المفقود” (The Lost Child) إلى أحد الأدوار النفسية التي يلعبها الفرد داخل أسرته المختلة وظيفياً (Dysfunctional Family) . هذا المفهوم ليس تشخيصاً سريرياً بحد ذاته، بل هو نمط سلوكي وتكيفي يتبناه الطفل لمواجهة ضغوط أسرية معينة، كالإهمال العاطفي، أو التوتر المزمن، أو الانشغال الوالدي بمشاكل أخرى (كمدمن، أو مريض، أو حتى طفل “بطل” أو “كبش فداء” آخر).عندما نتحدث عن “المراهقة في الكبر”، فإننا نصف شخصاً بالغاً من الناحية البيولوجية والقانونية، لكنه عالق نفسياً في مرحلة سابقة من النمو العاطفي، وغالباً ما يكون هذا الارتداد النفسي مرتبطاً بهذا الدور القديم. فالطفل المفقود الذي لم يُرَ أو يُسمع أو تُلبّى احتياجاته العاطفية في الصغر، يحمل معه إلى مرحلة الرشد جوعاً عاطفياً وارتباكاً هوياتياً، مما يجعله يعيش ما يشبه “مراهقة متأخرة” أو “طفولة ثانية” في الكبر.،،، النشأة في الأسرة: صمت مقابل صراخبحسب الدراسات والمراجع الأكاديمية، تتعدد الأدوار التي يمكن أن يلعبها الأطفال في أسرهم، مثل “البطل” و”كبش الفداء” و”الطفل الضائع” . الطفل المفقود هو ذلك الطفل الذي يتعامل مع الضغط العائلي بالانسحاب. في عائلة يعاني فيها أحد الوالدين من الاكتئاب أو الانشغال، قد لا يجد هذا الطفل المساحة الآمنة للتعبير عن احتياجاته. بدلاً من ذلك، يتعلم أن يكون “هادئاً” و”غير مرئي” كآلية للبقاء. وكما تصف إحدى الدراسات التحليلية، فإن هذا الطفل يكبر ليشعر وكأنه “طفل ضائع يرتدي قناع الرشد” ، يحاول أن يكون زوجاً وأباً، ولكن القشرة الخارجية التي تخفي بداخله فراغاً هوياتياً تكون رقيقة جداً، مما يعرض حياته للانهيار في أي لحظة .،،، من “الضياع” إلى “الرشد الناشئ”لتفسير ظاهرة “المراهقة في الكبر” أو ما يسمى علمياً بـ “الرشد الناشئ” (Emerging Adulthood) ، نجد أن علماء النفس المعاصرين قدموا إطاراً مهماً. العالم جيفري جينسن أرنيت (Jeffrey Jensen Arnett) اقترح أن مرحلة ما بعد المراهقة وحتى أواخر العشرينات (18-30 سنة) أصبحت مرحلة نمو قائمة بذاتها، تتسم بالتجريب، وعدم الاستقرار، والتركيز على الذات، والشعور بأنك “بين بين” – لست مراهقاً ولست بالغاً كاملاً .هذا الشعور بالـ “بين بين” يتطابق بشكل مذهل مع حالة “الطفل المفقود”. الباحثتان كارين جيلمور (Karen J. Gilmore) وباميلا ميرساند (Pamela Meersand) من جامعة كولومبيا تشيران إلى أن البالغين في هذه المرحلة (خاصة 18-23 سنة) يعيشون حالة من التجريب النشط، ويشعرون بالارتباك الوجودي، ويحنون إلى طفولتهم بينما يشعرون أنهم “أكبر من أن يعودوا إليها” . بالنسبة للشخص الذي كان “طفلاً مفقوداً”، فإن هذه المرحلة ليست مجرد تأخر طبيعي في تحمل المسؤولية، بل هي أزمة حقيقية: إنه يحاول أن يجد نفسه التي فقدها قبل عقود.،،، التبعات في مرحلة الرشد: فشل في الانطلاقالدراسات تربط بشكل مباشر بين تبني دور “الطفل المفقود” في الطفولة وظهور أعراض اكتئابية واضطرابات في الهوية لاحقاً في مرحلة الرشد . هؤلاء الأشخاص قد يجدون صعوبة بالغة في تكوين علاقات حميمة ناضجة، أو في الحفاظ على وظيفة ثابتة، أو في الشعور بالرضا عن الذات. هم يعانون مما يسمى “فشل الانطلاق” (Failure to Launch)، حيث يظلون معتمدين عاطفياً ومادياً على أسرهم الأصلية، أو ينتقلون من علاقة إلى أخرى بحثاً عن “الوالد” المثالي الذي يعوضهم عما فاتهم، وليس عن “شريك” حقيقي متكافئ.رأي العلماء والأطباء النفسيينالعلماء الذين درسوا هذه الظاهرة ينظرون إليها من زاويتين:· منظور التحليل النفسي: كما توضح الحالة التي قدمتها المحللة جوديث جاكسون (Judith Jackson)، فإن العلاج هنا ينصب على توفير “الاحتواء” (Containment) الذي افتقده المريض في طفولته. التحليل يساعد المريض على تقليل حالة التشرذم (Fragmentation) التي يعيشها، ويسمح له بتطوير إحساس أوضح بذاته، بحيث يمكنه تخيل نفسه في المستقبل بدلاً من البقاء رهينة لماضيه .· منظور علم النفس النمائي: يرى باحثون مثل ماريون كلوب (Marion Kloep) وليو هندري (Leo B. Hendry) أن التحول من المراهقة إلى الرشد يجب أن يُرى كنظام ديناميكي معقد، حيث تتفاعل المؤسسات الاجتماعية والسياقات المختلفة لتشكل مسار الفرد . من وجهة نظرهم، فإن تعثر “الطفل المفقود” ليس مجرد فشل فردي، بل هو نتيجة لتفاعل معقد بين بيئة أسرية فاشلة ومجتمع يطالب بأدوار ناضجة دون تقديم الدعم الكافي للوصول إليها.— سبب انتشار هذه الظاهرة في المجتمعات العربية ….. الخلط بين “الهدوء” و”التربية المثالية”: في ثقافتنا العربية، غالباً ما يُمدح الطفل “الهادئ” الذي “لا يسبب مشاكل”. يتم تجاهل أن هذا الصمت قد يكون إنذاراً خطيراً. نحن نخلط بين الأدب والتهذيب، وبين الانسحاب المرضي والصدمة النفسية. الطفل الذي لا يزعج أحداً هو في نظر الكثيرين “طفل ذهبي”، دون أن يسأل أحد: لماذا هو صامت؟ ماذا يدور في داخله؟ هذه التربية تنتج بالغاً لا يعرف كيف يعبر عن احتياجاته أو يطلب المساعدة، فيبقى “مفقوداً” حتى وهو كبير… زواج “البيئة” (الأقارب) وتوارث الصدمات: في المجتمعات التي تنتشر فيها زواج الأقارب، قد تتفاقم المشاكل النفسية والأسرية وتنتقل عبر الأجيال. الدراسة التي تتحدث عن “الافتقار إلى الاحتواء من قبل الأم التي كانت هي نفسها طفلة ضائعة ومهجورة” تصف بدقة ما يحدث في أسرنا. أم عانت من الإهمال، تكبر لتصبح أماً مشغولة عاطفياً غير قادرة على احتواء طفلها، الذي يكبر بدوره ليكون “طفلاً مفقوداً” جديداً. هذه حلقة مفرغة نادراً ما يتم كسرها بسبب غياب الوعي بالعلاج النفسي… الوصم الاجتماعي للعلاج النفسي: لا يزال المجتمع العربي ينظر إلى المريض النفسي نظرة دونية. الأهل يخشون أن يُقال عنهم إنهم “فشلوا في تربية أولادهم”، فيلجؤون إلى الإنكار. يتم تأويل أعراض “الطفل المفقود” على أنها “فشل في الحياة” أو “كسل” أو “ضعف إيمان”. بدلاً من اصطحاب الشاب للعلاج، يضغطون عليه ليتزوج “كي يستقيم” أو ليجد وظيفة “كي يتحمل المسؤولية”، متناسين أن ما يحتاجه هذا الشاب هو إعادة بناء ذاته أولاً… التغير المجتمعي السريع والصراع بين الأصالة والمعاصرة: المجتمع العربي يعيش حالة من التمزق بين قيم الماضي (العائلة الكبيرة، التبعية للوالدين حتى بعد الزواج) ومتطلبات الحاضر (الاستقلالية، اتخاذ القرار الفردي). هذا الصراع يخلق بيئة خصبة لظهور “الرشد الناشئ” بصورة مشوشة. الشاب يشعر بالمسؤولية لكنه لا يملك أدواتها، ويعيش شعوراً دائماً بالذنب لأنه ليس كأبيه الذي تحمل المسؤولية في سن مبكرة، متناسياً أن الظروف اختلفت جذرياً… “ذعر أخلاقي” بدلاً من فهم علمي: كما تشير الدراسات الغربية، غالباً ما يتم التناول الإعلامي والاجتماعي لقضايا الأطفال والشباب من خلال “نوبات ذعر أخلاقي” . في عالمنا العربي، نرى ذلك جلياً في الحملات الإعلامية التي تتهم التكنولوجيا و”الانفتاح” بتخريب الشباب، بدلاً من النظر بجدية إلى البنية الأسرية المختلة التي تنتج شباباً مهزوزاً غير قادر على مواجهة العالم. نحن نبحث عن “كبش فداء” خارجي (الفضائيات، الإنترنت، الغرب) لنبرئ أنفسنا من مسؤولية الإهمال العاطفي داخل الجدران الأربعة .. هنا تأتي ديكتاتورية الأب والأم لتزيد الطين بله في حشو مفاهيم مهترئة ك فصل الإناث عن الذكور و فرض الألبسة التي تغطي كامل الجسد على اعتبار أن الجسد هو كنز الفضيلة الأعلى في الختام …نظرية “الطفل المفقود” تقدم لنا عدسة مكبرة لنرى من خلالها أن “المراهقة في الكبر” ليست مجرد نزوة أو تخلف أخلاقي، بل هي غالباً جرح عميق لم يندمل. إنها صرخة طفل قديم لم يسمعه أحد، يبحث عن نفسه في زحام متطلبات الكبار. الحذر الذي نطالب به ليس معناه قمع هذه الحالة أو الخجل منها، بل فهمها ومعالجتها، لأن استمرار فقدان هؤلاء الأطفال داخل أجساد الكبار يعني استمرار مجتمع غير ناضج عاطفياً، يعيد إنتاج جرحه جيلاً بعد جيل. العلاج يبدأ عندما نعترف بأن الطفل الذي بداخلنا قد ضاع، وحان وقت البحث عنه …

******

المثقفون السوريون# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم