المدينة العظيم ذات القدسية الخاصة .نبرو

ِنبرُو.. مدينةٌ كان الملوك يأتون إليها ليصبحوا ملوكاً
ليست كل المدن العظيمة بحاجة إلى قصر كي تحكم، ولا إلى جيش كي تخشاها الممالك. ثمة مدينة عراقية قديمة امتلكت سلطة من نوع آخر؛ لم تكن جيوشها هي التي تستدعي الملوك، بل قدسيتها. كانوا يأتون إليها من مدن بعيدة، يحملون القرابين، يبنون ويجددون، ويتركون أسماءهم على الآجر، كأن الملك الذي امتلك الأرض كان ما يزال بحاجة إلى اعتراف السماء.

اسمها نِبْرُو.

وهو الاسم السومري للمدينة التي نعرف موقعها اليوم باسم نُفّر أو نفر، في محافظة القادسية. وفي الدراسات الحديثة اشتهرت باسم Nippur. وما تزال تلالها الأثرية قائمة في السهل العراقي، شاهدة على مدينة لم تكن عاصمة إمبراطورية كبرى بالمعنى السياسي المعتاد، لكنها كانت واحدة من أهم المراكز المقدسة في حضارة بلاد الرافدين. (UNESCO World Heritage Centre⁠)

وهنا تكمن المفارقة المدهشة:

كيف استطاعت مدينة لا يجلس فيها أقوى الملوك أن تجعل الملوك يأتون إليها؟

الجواب يبدأ من إنليل، أحد أعظم آلهة بلاد الرافدين القديمة، ومن معبده الشهير إيكور في نِبْرُو. كانت المدينة مرتبطة بمكانته الدينية، ولذلك حرص حكام ينتمون إلى عصور وسلالات مختلفة على رعاية المعبد وترميمه وإعادة بنائه وتقديم النذور فيه. وتكشف الآجرات المنقوشة التي عُثر عليها في الموقع أسماء ملوك تركوا آثار مشاريعهم داخل هذا المكان عبر قرون طويلة. (The Metropolitan Museumof Art⁠)

لم يكن البناء هنا عملاً معمارياً فقط

كان إعلاناً.

فالملك الذي يضع اسمه في جدار مقدس لا يبني للناس وحدهم، بل يحاول أن يضع حكمه داخل ذاكرة أقدم من حكمه نفسه. قد تتغير السلالة، وتسقط العاصمة، ويأتي ملك آخر، لكن إيكور يبقى، ونِبْرُو تبقى، ويصبح الحاكم العابر هو الذي يحتاج إلى المدينة أكثر مما تحتاج المدينة إليه.

ربما لهذا يمكن القول إن نِبْرُو ابتكرت شكلاً غريباً من السلطة: سلطة المكان على صاحب السلطة.

ومن بين الشواهد الباقية آجر يحمل اسم أورنمو، ملك سلالة أور الثالثة. ورغم أن أور كانت مركز حكمه، فإن اسمه وجد طريقه إلى نِبْرُو وإلى أعمال البناء المرتبطة بمعبد إنليل. وبعد قرون استمر ملوك آخرون في رعاية إيكور وترك نقوشهم فيه. تغيرت الأسماء السياسية، بينما ظل المكان محتفظاً بقيمته. (The Metropolitan Museum of Art⁠)

لكن اختزال نِبْرُو في المعبد وحده سيظلم مدينة كان للطين فيها صوت آخر.

صوت الكتابة.

في هذه المدينة لم تكن الألواح الطينية تحفظ الحسابات والإدارة فقط؛ كانت المعرفة نفسها تتعلم كيف تبقى. كشفت التنقيبات عن أحياء وأبنية ارتبطت بالكتبة والتعليم، ومن أشهرها ما يعرفه الباحثون بـ«البيت F»، الذي يُعتقد أنه كان مدرسة للكتبة في العصر البابلي القديم. وقد حفظت ألواحه تمارين الطلاب ومراحل تعلمهم الكتابة المسمارية، حتى أصبحت نِبْرُو اليوم من أهم النوافذ التي يستطيع الباحث من خلالها النظر إلى التعليم في بلاد الرافدين القديمة. (UChicago ISAC⁠)

تخيل طفلاً عراقياً قبل قرابة أربعة آلاف سنة يجلس أمام قطعة طين رطبة.

في يده قصبة صغيرة.

وأمامه معلم.

يضغط رأس القصبة في الطين، يخطئ، يعيد العلامة، يحفظ الكلمات والقوائم والنصوص. بالنسبة إليه قد يكون ذلك يوماً مدرسياً عادياً، لكنه بالنسبة إلينا اليوم نافذة نادرة على واحدة من أقدم تقاليد التعليم والكتابة في تاريخ الإنسان.

وهنا تتغير صورة نِبْرُو مرة أخرى.

فهي ليست مدينة جاء إليها الملوك فقط؛ إنها أيضاً مدينة جلس فيها التلاميذ أمام الطين.

وبين الملك الذي يترك اسمه على الآجر والطالب الذي يترك تمرينه على لوح صغير، صنعت المدينة نوعين من الذاكرة: ذاكرة السلطة وذاكرة المعرفة.

الأولى أرادت الخلود.

والثانية صنعت جزءاً منه.

وقد أعطت التنقيبات في نِبْرُو الباحثين كماً هائلاً من النصوص المسمارية، وأسهمت ألواحها في معرفتنا بالأدب واللغة والتعليم والدين والحياة الفكرية في بلاد الرافدين. لذلك لا تبدو المدينة مجرد مجموعة أبنية مهدمة، بل أقرب إلى أرشيف مدفون تحت الأرض.

وحتى فنونها الصغيرة تقول الكثير. فقد كشفت منطقة معبد إنانا عن تماثيل وأوانٍ حجرية وتطعيمات وقطع فنية متعددة، واستمر تجديد المعبد في الموقع عبر فترات زمنية طويلة. بعض تلك القطع المصنوعة من الصدف والحجر يكشف دقة تقنية عالية في القطع والتطعيم والتثبيت بالقار، ويعيدنا إلى عالم لم تكن فيه المادة منفصلة عن العقيدة والجمال. (The Metropolitan Museum of Art⁠)

وهذا ما يجعل نِبْرُو مختلفة في الذاكرة الحضارية للعراق.

إنها لا تمنحنا أثراً واحداً نستطيع اختصارها به.

هناك المعبد والكتابة والمدرسة والنحت والآجر والأختام والأحياء والطقوس. وهناك قبل ذلك كله فكرة المدينة التي استطاعت البقاء ذات قيمة رغم تبدل القوى التي حكمت بلاد الرافدين

فالملوك كانوا يموتون.

والسلالات كانت تنتهي.

والحدود كانت تتبدل.

أما المدينة المقدسة فكانت تستقبل الملك التالي.

لذلك يبدو تاريخ نِبْرُو، إذا قرأناه بعيداً عن لغة التواريخ الجامدة، قصة عن سؤال ما يزال حياً: من يمنح السلطة معناها؟

في عالم بلاد الرافدين القديمة لم تكن القوة العسكرية وحدها كافية لصناعة صورة الملك. كانت هناك منظومة دينية ورمزية، وكانت نِبْرُو في قلب جانب بالغ الأهمية منها. ولذلك حمل ترميم إيكور ورعايته معنى يتجاوز إصلاح الجدران؛ كان اقتراباً من مركز مقدس عابر للمدن والسلالات.

واليوم تقع بقايا هذه المدينة في القادسية، وسط أرض عراقية تبدو للناظر المعاصر هادئة إلى حد يصعب معه تخيل حجم الأصوات التي مرت بها. لكن تحت تلك التلال كانت أجيال تكتب وتصلي وتبني وتتعلم، وكان ملوك يتركون أسماءهم على الطين والآجر أملاً في أن يتذكرهم الزمن.

والزمن فعل شيئاً أكثر غرابة.

احتفظ بالمدينة معهم.

لهذا، عندما نقول نفر اليوم، فنحن نشير إلى موقع أثري، لكن عندما نستعيد اسمها القديم نِبْرُو فإننا نقترب من مدينة كما عرفها أبناؤها؛ مدينة كان اسمها جزءاً من عالم سومر وأكد، ومن ذاكرة العراق في أقدم طبقاته.

إن عظمتها لا تحتاج إلى أسطورة جديدة. يكفي أن نتخيل ملكاً امتلك الجنود والأرض والذهب، ثم قطع الطريق إلى مدينة أخرى، ووقف أمام معبدها، وترك اسمه هناك.

كان يستطيع أن يأمر آلاف البشر.

لكنه أمام نِبْرُو كان يبحث عن شيء لا يستطيع الجيش أن يمنحه.

لهذا لم تكن نِبْرُو مدينةً يسكنها الملوك، بل مدينةً كان الملوك يأتون إليها كي يمنحوا مُلكهم معنى يتجاوز العرش

بلاد الرافدين#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم