💥 «فاذرلاند».. مرثية للوطن المفقود افليكوفسكي يحوّل التاريخ إلى دراما إنسانية آسرة
«سينماتوغراف» ـ أسامة عسل
ليس غريباً أن يعود المخرج البولندي بافيل بافليكوفسكي إلى مهرجان كان بعد غياب ثماني سنوات، ثم يغادره مجدداً بجائزة أفضل إخراج. فمنذ «إيدا» و«الحرب الباردة»، رسّخ المخرج أسلوباً بصرياً شديد الخصوصية، يقوم على الاقتصاد في السرد، والصورة بالأبيض والأسود، والإيقاع الهادئ الذي يمنح المشاعر مساحة أكبر من الكلمات. وفي فيلمه الجديد «فاذرلاند» (Fatherland)، يواصل هذا المشروع الفني، لكن من زاوية أكثر نضجاً ومرارة، مقدماً عملاً يمكن اعتباره ذروة ثلاثيته غير المعلنة عن أوروبا ما بعد الحرب.يستند الفيلم إلى فصل حقيقي من حياة الكاتب الألماني الحائز على جائزة نوبل توماس مان، لكنه لا يتعامل مع السيرة الذاتية بوصفها غاية، بل يجعلها مدخلاً للتأمل في سؤال أكبر: ماذا يبقى من الوطن عندما يتحول إلى فكرة تتنازعها الأيديولوجيات؟تبدأ الحكاية مع عودة توماس مان إلى ألمانيا عام 1949، بعد سنوات من المنفى الأميركي. غير أن البلاد التي يعود إليها لم تعد وطناً واحداً، بل دولتين تتنافسان على احتكار رمزيته الثقافية، ألمانيا الغربية تريد توظيفه بوصفه رمزاً للديمقراطية الليبرالية، بينما ترى فيه ألمانيا الشرقية شاهداً على انتصار الفكر الاشتراكي. وبين هذا وذاك، يجد مان نفسه غريباً في المكان الذي صنع هويته.لكن بافليكوفسكي لا يجعل الأب محور الفيلم الحقيقي، بل يمنح هذه المكانة لابنته إريكا مان، التي تؤديها ساندرا هولر بأحد أكثر أدوارها نضجاً. فإريكا ليست مجرد مرافقة لوالدها، بل تمثل جيلاً كاملاً فقد وطنه ولغته ويقينه، وأصبح عالقاً بين ذاكرة لا يمكن استعادتها ومستقبل لا يبدو قابلاً للتصديق.وكما اعتاد المخرج في أعماله السابقة، لا يعتمد الفيلم على الأحداث الكبرى، بل على التفاصيل الصغيرة التي تكشف الانهيارات الداخلية للشخصيات. رحلة بالسيارة، محطات قطار، قاعات احتفالات رسمية، وحوارات مقتضبة تحمل من الصمت أكثر مما تحمل من الكلام. هنا تتحول المسافات الجغرافية إلى رحلة نفسية داخل أسرة أنهكتها السياسة والمنفى والحرب.بصرياً، يبدو «فاذرلاند» امتداداً طبيعياً لسينما بافليكوفسكي. يعود مدير التصوير لوكاش زال ليقدم صوراً بالأبيض والأسود تتمتع بجمال صارم، حيث تبدو الكادرات أشبه بصور فوتوغرافية معلقة بين الماضي والحاضر. أما نسبة العرض الأكاديمية الضيقة، فتمنح الشخصيات إحساساً دائماً بالاختناق، وكأن التاريخ نفسه يضغط عليها من كل الجهات.ولا يستخدم المخرج هذا الأسلوب بوصفه زينة جمالية، بل كأداة درامية تعكس فكرة الفيلم الأساسية؛ الشخصيات محاصرة داخل ذاكرتها كما هي محاصرة داخل إطار الصورة، فيما تتحول المدن المدمرة والكنائس الخاوية والطرق الطويلة إلى استعارة بصرية لوطن لم يعد موجوداً إلا في الحنين.سيناريو الفيلم يتجنب الشعارات السياسية المباشرة، رغم أن السياسة حاضرة في كل مشهد. فلا الغرب يبدو منتصراً أخلاقياً، ولا الشرق أكثر نقاءً، إذ ينشغل الطرفان بمحاولة الاستحواذ على الإرث الثقافي لتوماس مان، بينما يظل الإنسان نفسه خارج الحسابات.وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في الحوار القصير الذي تطلب فيه إريكا من والدها العودة إلى المنزل، فيسألها: «وأين يكون ذلك؟». سؤال بسيط يختزل الفيلم بأكمله، ويحوّل الوطن من مكان جغرافي إلى حالة نفسية لم يعد الوصول إليها ممكناً.أما ساندرا هولر فتقدم أداءً استثنائياً، يعتمد على الإيماءة أكثر من الانفعال، وعلى نظرات تحمل طبقات متراكمة من الخيبة والحنين والغضب المكبوت. وتنجح في بناء شخصية لا تحتاج إلى خطب طويلة كي تترك أثرها، بينما يمنحها هانس تسشلر أداءً هادئاً ومؤلماً في دور توماس مان، في علاقة أبوية يسكنها الحب بقدر ما يسكنها العجز عن التعبير.ويختتم بافليكوفسكي فيلمه بمشهد يكاد يخلو من الحوار، لكنه يحمل من القوة العاطفية ما تعجز عنه صفحات كاملة من النصوص. أمام أنقاض كنيسة، وعلى وقع موسيقى باخ، تتحول اللحظة إلى وداع للوطن، وللأسرة، ولأوروبا التي عرفها أبطال الفيلم قبل أن تبتلعها الحرب.في زمن تميل فيه السينما إلى الصخب والإبهار، يثبت «فاذرلاند» أن الهمس قد يكون أكثر تأثيراً من الضجيج، وأن الصورة الهادئة قادرة على حمل أثقل الأسئلة الإنسانية. إنه فيلم لا يكتفي باستعادة التاريخ، بل يحاوره، ويعيد مساءلة معنى الهوية والمنفى والانتماء، في عمل بالغ الرهافة والدقة، يرسخ مكانة بافليكوفسكي واحداً من أهم صناع السينما الأوروبية المعاصرة، ويضع «فاذرلاند» مبكراً بين أبرز أفلام عام 2026 وأكثرها اكتمالاً على المستويين الفني والإنساني. #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك#مجلة ايليت فوتو ارت.


