بقلم زياد عبدالرحمن
بين ثنايا الأساطير اليونانية القديمة، لا نجد اسماً يتردد بصدى يجمع بين سحر الفن ومرارة الخذلان مثل أورفيوس.
لم يكن مجرد عازف قيثارة أو شاعر عابر، بل كان الكيان الذي استطاع، ولو لبرهة، أن يكسر قوانين الطبيعة الصارمة بقوة النغمة والكلمة.
سيمفونية تروض الوحوش والجماد
تقول الأسطورة إن أورفيوس، الذي نهل من فنون أبوللو، لم يكن يعزف للمتعة الفطرية فحسب، بل كان يمتلك قدرة على صياغة الواقع وتشكيله.
عندما كانت أصابعه تداعب أوتار قيثارته، كانت الأنهار تتوقف عن الجريان لتنصت، والصخور الصماء تتشقق لتفسح له الطريق، حتى الوحوش الكاسرة كانت تستحيل كائنات وديعة تحت وطأة ألحانه.
تمثل موسيقى أورفيوس الانسجام الكوني في أسمى تجلياته؛ القدرة على تحويل الفوضى إلى نظام، والألم المحض إلى جمال يسر الناظرين.
الرحلة إلى قعر الجحيم: حين يبكي “هاديس”
تتحول نوتات الفرح إلى إيقاع جنائزي أسود برحيل حبيبته يوريديس. هنا، ارتقى أورفيوس من فنان يبحث عن الجمال إلى ثائر يتحدى القدر. لم يستسلم للنهاية المحتومة، بل حمل قيثارته واقتحم بها مملكة الموتى (تارتاروس).
في تلك الرحلة، حقق أورفيوس انتصاراً عجز عنه أبطال السيف والدرع؛ لقد هزم الموت بسلاح الفن. أمام ملك العالم السفلي “هاديس”، عزف أورفيوس لحناً جعل العذاب الأبدي يتوقف مؤقتاً؛ “سيزيف” توقف عن دحرجة صخرته، و”تانتالوس” نسي ظمأه، وحتى “هاديس” المعروف بقلبه الحديدي ذرفت عيناه دمعة تأثراً. كانت تلك اللحظة هي البرهان الأكبر على أن الفن هو القوة الوحيدة التي يمكنها اختراق جدران الفناء.
تراجيديا اللحظة الأخيرة: نظرة الشك
مُنح أورفيوس فرصة استعادة حبيبته بشرط واحد صارم: ألا ينظر خلفه حتى يخرج تماماً إلى ضوء الشمس. وهنا تكمن المأساة الإنسانية في عمقها؛ ففي الأمتار الأخيرة، غلبه الشك أو ربما فرط الحب، فالتفت ليتأكد من وجود يوريديس خلفه، لتتبخر كالدخان وتختفي للأبد.
”لم يكن أورفيوس يفتقر إلى الشجاعة لمواجهة الموت، بل كان يفتقر إلى اليقين بقدرة فنه على اجتراح المعجزات حتى النهاية.”
ما وراء الأسطورة: الفن الذي لا يموت
بعيداً عن السرد الخيالي، يظل أورفيوس في الوعي الثقافي رمزاً لعدة مفاهيم جوهرية:
قوة التأثير: قدرة الكلمة والنغمة على تليين القلوب القاسية وتغيير المسارات القدرية.
الهشاشة الإنسانية: كيف يمكن لأعظم المبدعين أن يسقطوا في فخ القلق اللحظي الذي يهدم ما بنوه.
الخلود عبر الأثر: تشير الأسطورة إلى أن حياة أورفيوس انتهت مأساوياً، لكن قيثارته ظلت تعزف، ورأسه ظل يغني وهو يطفو فوق مياه النهر، تأكيداً على أن المبدع قد يرحل جسداً، لكن أثره الفني يظل عصياً على النسيان.
إن قصة أورفيوس ليست مجرد حكاية عن حب ضائع، بل هي تقرير عن حال المبدع الذي يحاول دائماً استعادة المفقود عبر قوة التخيّل التي تتحدى المنطق، حتى لو كان الثمن هو الالتفاتة الأخيرة التي تنهي كل شيء.
******
المصادر
رؤية وطن
إيليت فوتو آرت


