اللحظات الاخيرة في حياة سقراط

في فجرٍ هادئٍ يسبق الموت، دخل كريتون زنزانة سقراط. كان الضوء شحيحًا، والمدينة ما تزال نائمة، بينما كان سقراط نائمًا بطمأنينة غريبة، كأن الحكم لم يكن يعنيه. أيقظه كريتون على مهل، وقد امتلأ قلبه قلقًا وعجلة، فهذه الليلة هي الفرصة الأخيرة.بدأ كريتون كلامه لا بوصفه حُجّة عقلية، بل كنداء صديق: إن البقاء هنا خطأ، وإن الناس سيتهمون أصدقاء سقراط بالجبن والبخل لأنهم لم ينقذوه. أخبره أن المال متوفر، وأن الحراس يمكن رشوتهم، وأن المدن الأخرى سترحب به. لم يكن الهروب صعبًا، بل معقولًا، بل واجبًا. ثم أضاف ما كان الأشد إيلامًا: ماذا عن أبنائك؟ أليس من الظلم أن تتركهم أيتامًا بقرارٍ كان يمكن تفاديه؟استمع سقراط بهدوء، بلا انفعال، كعادته. لم يسخر، ولم يرفض فورًا. سأل فقط: هل ينبغي لنا أن نفعل ما يراه الناس صوابًا، أم ما هو صواب في ذاته؟ هنا تغيّر مسار الحديث. لم يعد الأمر هروبًا أو بقاءً، بل سؤالًا عن العدل.قال سقراط إن رأي الأكثرية لا يصنع الحق، وإن القيمة العليا ليست الحياة، بل الحياة العادلة. فكما أن الجسد يفسده المرض، فإن النفس يفسدها الظلم. ثم طرح مبدؤه الحاسم: لا يجوز، في أي حال، أن نردّ الظلم بظلم. وإن كان الحكم قد صدر جائرًا، فإن خرق القوانين سيكون ظلمًا آخر، لا تصحيحًا للأول.وعند هذه النقطة، انتقل سقراط إلى أكثر لحظات الحوار عمقًا: تخيّل القوانين نفسها واقفة أمامه، تخاطبه وتسأله. أليست هي التي أنجبته وربّته وعلّمته؟ أليس قد عاش عمره كله تحت حمايتها، ولم يعترض يومًا؟ فكيف يحق له الآن، حين لم توافقه، أن ينقضها؟ إما أن يُقنعها بالخطأ عبر الكلام، أو يطيعها بالفعل. والهروب ليس إقناعًا، بل خيانة.كريتون صمت. لم يعد لديه ما يقول. لم يكن سقراط يناقش إمكانية النجاة، بل معنى العيش نفسه. وفي النهاية، قال سقراط بهدوءٍ قاطع إن الهروب سينقذ الجسد، لكنه يدمّر النفس، وإنه يفضّل أن يموت وفيًا للعدل، على أن يعيش وقد نقض ما آمن به.خرج كريتون من الزنزانة مثقلًا بالعجز، بينما بقي سقراط كما كان: رجلًا اختار أن يجعل من موته درسًا، ومن السجن آخر محاورة فلسفية في حياته.#سقراط#محاكمة_سقراط..#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم