رقصة الحياة يتحول الفن إلى سيرة نابضة أميرة ناجي /بغداد ناقدة وفنانة تشكيلية في كتاب رقصة الحياة
يقدم الكاتب والناقد رحيم يوسف عملا يتجاوز حدود التوثيق التقليدي ليؤسس رؤية نقدية عميقة تستنطق التجربة التشكيلية للفنان سعد علي ضمن أفق إنساني وجمالي واسع يتداخل فيه الذاتي مع الجمعي ويغدو الفن فيه لغة وجود تتجاوز حدود التعبير إلى فعل كينوني متكامل هذا الكتاب لا يكتفي بقراءة تجربة فنية ممتدة بل يعيد تشكيلها عبر لغة تمتلك حساسية عالية وقدرة على النفاذ إلى جوهر العمل الفني واستحضار طاقاته الكامنة في الذاكرة والوجدانينطلق المؤلف من إدراك عميق بأن تجربة سعد علي لا يمكن اختزالها ضمن سياق زمني محدد أو إطار أسلوبي مغلق بل هي تجربة مفتوحة على التحول الدائم وعلى التفاعل المستمر مع المكان والذاكرة والاغتراب حيث تتشكل ملامحها عبر مسار طويل من الاشتغال اليومي الذي يحول الفن إلى ضرورة حياتية لا تنفصل عن تفاصيل العيش اليومي ولا عن أسئلة الوجود الكبرى التي تلازم الفنان في كل لحظةيبرز رحيم يوسف قدرة لافتة في التقاط العلاقة العضوية بين الفنان وعالمه الداخلي حيث يغدو اللون امتدادا مباشرا للانفعال الإنساني وتتحول اللوحة إلى فضاء يتكثف فيه الشعور وتتجسد عبره رؤى متعددة تعكس عمق التجربة وثراءها إن هذه القراءة لا تقف عند حدود الوصف بل تتجاوز ذلك إلى تفكيك البنية الجمالية للعمل الفني واستكشاف آلياته التعبيرية التي تجعل من كل عمل حالة مستقلة تنفتح على تأويلات لا نهائيةوفي سياق تتبع المسار الإبداعي للفنان يكشف الكتاب عن حضور الذاكرة العراقية في أعمال الفنان سعد علي حضورا عميقا ومتجذرا رغم سنوات الاغتراب الطويلة التي قضاها في فضاءات أوربية متعددة حيث لم يكن هذا الاغتراب قطيعة مع الجذور بل تحول إلى مجال خصب لإعادة إنتاج الهوية ضمن أفق أكثر اتساعا ومرونة الأمر الذي منح تجربته طابعا إنسانيا قادرا على التواصل مع الآخر دون أن يفقد خصوصيته الثقافيةيتوقف الكتاب عند البعد الحكائي الذي يميز أعمال سعد علي حيث تتداخل العناصر البصرية مع سرديات ضمنية تستحضر عوالم الأسطورة والحلم وتعيد صياغتها ضمن بناء تشكيلي معاصر يزاوج بين الحس الشرقي والانفتاح على التجارب العالمية إن هذه القدرة على الجمع بين المتناقضات تمنح العمل طاقة تعبيرية عالية وتجعله قادرا على استثارة المتلقي وإشراكه في عملية التأويلكما يسلط الكاتب رحيم يوسف الضوء على الثنائيات التي تتكرر في تجربة الفنان مثل الحب والغياب الحلم والواقع الأرض والتحليق حيث لا تأتي هذه الثنائيات كعناصر زخرفية بل كمرتكزات فكرية وجمالية تعكس صراعا داخليا يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين الانتماء والحرية وبين الذاكرة والرغبة في الانفلات نحو آفاق أوسعولا يغفل الكتاب الجانب التقني في تجربة سعد علي حيث يتناول اشتغاله على اللون كطاقة تعبيرية قادرة على خلق الدهشة وإعادة تشكيل الواقع عبر تحويره وتكثيفه بما يتناسب مع الرؤية الجمالية للفنان إن هذا الاشتغال يكشف عن خبرة طويلة ومراكمة معرفية عميقة مكنته من تطوير أسلوب خاص يتميز بفرادته وقدرته على التميز ضمن المشهد التشكيلي العالميفي هذا السياق يبرز الكتاب فكرة أن الفن عند سعد علي ليس فعلا جماليا معزولا بل هو موقف من الحياة يعكس إيمانا عميقا بقيمة الجمال ودوره في مقاومة القبح والعنف إن هذه الرؤية تمنح التجربة بعدا إنسانيا يتجاوز حدود اللوحة ليصل إلى المتلقي كدعوة للتأمل وإعادة النظر في علاقته بالعالمكما يقدم الكاتب رحيم يوسف قراءة معمقة لعلاقة الفنان بالمكان حيث يتحول المكان في أعمال سعد علي إلى فضاء رمزي تتقاطع فيه الأزمنة وتتشابك فيه الذكريات ليصبح حاملا لمعان متعددة تعكس تجربة الاغتراب والبحث المستمر عن الجذور إن هذا التناول يمنح العمل بعدا فلسفيا يفتح أمام القارئ آفاقا جديدة لفهم التجربةإن القيمة الحقيقية لكتاب رقصة الحياة تكمن في قدرته على الجمع بين التحليل النقدي العميق واللغة الأدبية الرفيعة حيث ينجح رحيم يوسف في تقديم نص يمتلك جمالياته الخاصة ويوازي في تأثيره الأعمال التي يتناولها مما يجعل القراءة تجربة جمالية قائمة بذاتهاوفي المحصلة يمكن القول إن هذا الكتاب يمثل إضافة نوعية للمكتبة النقدية العربية لما يحمله من عمق في الطرح وثراء في الرؤية وقدرة على إعادة تقديم تجربة فنية كبيرة ضمن إطار فكري وجمالي متكامل يليق بقيمتها ومكانتهايمثل هذا المنجز النقدي الذي أنجزه الفنان الناقد رحيم يوسف علامة فارقة في الكتابة التشكيلية المعاصرة لما ينطوي عليه من وعي جمالي رفيع ورؤية تحليلية عميقة استطاعت أن تقترب من جوهر تجربة سعد علي وتضيء مساراتها المختلفة بنص يليق بحجمها وامتدادها ويؤكد أهمية هذا العمل في سياق الدراسات الفنية الجادة التي تسهم في ترسيخ حضور الفن باعتباره فعلا إنسانيا خالدا ومؤثرا#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت..


