الكاتب رياض العلي يكتب ، عن اليوم العالمي للكتاب.

في اليوم العالمي للكتاب. ..فكر بين الحين والآخر في ترك قراءة الكتب، وبيع أو غلق باب مكتبتي الشخصية بقفلٍ ضخم، ورمي المفتاح في نهرٍ قريبٍ مخصّصٍ لمياه البزل الآسنة.فما الجدوى من استقطاع ساعتين أو ثلاث ساعات كل يوم لقراءة مئة أو مئة وخمسين صفحة من كتابٍ ما؟ ما الفائدة التي أجنيها من ذلك وأنا غارق في نهاري بأعمالي التي تدرّ لي المال، ولم ولن ألتقي بمثقف أو أديب أو فنان في سياق أعمالي؛ لأنها بعيدة كل البعد عن هؤلاء؟ ثم كيف أجمع بين صخب عمل النهار وهدوء وسكون أجواء قراءة الكتاب؟ لماذا أهدرت كل تلك الأموال، وضيّعت الساعات للإصغاء إلى كاتبٍ يريد أن يُملي عليّ ميوله ورغباته وأفكاره؟أقف منذ الصباح وسط المكتبة، وأنا أضع الكتب التي قرأتها في جانب، وأراقب الكتب التي لم أقرأها، فأجدها تقارب تلك التي قرأتها في السنوات السابقة، والكفة تتساوى؛ لأنني دائمًا أرجّح الكتب التي لم أقرأها بمشتريات جديدة. طيب، هل يسمح لي ما تبقى من العمر بقراءة تلك الكتب – هذا إذا تراجعت عن قرار غلق باب المكتبة؟ برأيي أن العمر سيسمح؛ لأن الله سيسمح بتوفر الكتب، سواء في الجنة أو الجحيم، بحسب القرار آنذاك، وكلي يقين بأن الجنة ستخلو من كتب المذاهب الإسلامية.أصعب شيء على القارئ هو البدء في تصفح كتاب جديد، ولربما تعتريه رعشة وشهوة تشابه شهوة أول سيجارة في بداية الصباح، أو أول رشفة من كأس خمر بعد فراق أسبوع، أو أول شهوة لتقبيل شفتين لفتاةٍ عذراء لم يمسسها بشر من قبل.كثيرون، ربما مثلي، يريدون التخلص من هؤلاء الرفقاء الصامتين الذين يسكنون أرففًا خشبية، ويريدون القفز إلى عقل وذهن وقلب القارئ. وأتذكر، في أيام كورونا، كنت أقضي النهار في المكتبة، وكان ثمة كتاب أنظر إليه كل يوم وأبتعد عنه إلى غيره، ولربما شعر هذا الكتاب بالحزن؛ لأنه يجد صاحبه يجافيه، وقد مرّ على وجوده ما يقارب عشرين سنة دون أن تُفتح صفحاته. حتى جاء ذلك اليوم، بعد شفائي العجيب من كورونا، وقررت أن أبدأ به، ولم أتركه حتى أنهيته، وشعرت بأنه يتنفس بشكل مختلف، وأنه انتصر عليّ، وأنه قد بدأ يُحرّض بقية زملائه عليّ كي أفتح بكارتهم.ما زلت أقف في منتصف المكتبة، وأفكّر بسجن هؤلاء إلى الأبد، وما زلت أستمع إلى توسلاتهم، وربما قد يُوكّلون كبيرهم للدفاع عنهم، وكبيرهم هو كتاب “قصة الحضارة”، فله سطوة وحظوة عليهم، وهم يحترمونه كثيرًا ويهابونه. لكن ما ذنب تلك الكتب الصغيرة التي يمكن أن أنهيها بجلسة واحدة؟ وعلى طاري تلك الكتب الصغيرة، ففي أيام كورونا كنت أنهي كتابين منها في يوم واحد، وكانت صديقة قاصة تتواصل معي وتتعجب من قدرتي على قراءة كتابين في يوم واحد، وأنا أتعجب منها: كيف لأديبٍ ألا يقرأ إلا كتابًا واحدًا أو اثنين في الشهر؟طبعًا لم تنفع تدخلات “قصة الحضارة”، فهذا الكتاب المهيب الركن لم يُقنعني بأن أبقي الباب مفتوحًا، وأبقي على شهيتي لالتهام بقية الكتب، فلم يقدم لي أي كتاب ما يُغريني بذلك. لكن لماذا أغلق باب الطلسم على هذه الكتب؟ فهي لها أرواح أيضًا، وتريد بالتأكيد أن تكون بين يديّ في كل وقت.إذًا…لا بأس، فلأراجع القرار؛ فدائمًا ثمة طريق للعودة، لكن لا بد من مغريات للذهاب إلى طريق العودة، وبالتأكيد أن “قصة الحضارة” ليس من تلك المغريات؛ لأنني أتصفحه بين الحين والآخر لحاجتي إلى موضوع تاريخي معين، فبعض الكتب لا تُقرأ من الغلاف إلى الغلاف، والموسوعات كذلك. لكن الذي يُغريني بالعودة هو بالتأكيد “تفسير التحرير والتنوير” لابن عاشور، وربما تلك الروايات التي لم أقرأها بعد لخيري شلبي، وأيضًا روايتان لهاشم شفيق، وحوارات أدونيس، وما تبقى من كتب محمد أركون ومحمد عابد الجابري، وبالتأكيد رباعية فلاح رحيم.لكن هل إن فلاح رحيم يستطيع ثنيّ عن قرار الإغلاق العظيم؟ بالمناسبة، إن رواية “القنافذ” لفلاح رحيم لم أبدأ بها بعد، وهي موضوعة ضمن خطة القراءة لسنة 2026.وقد جربت ترك الكتب وحدها في المكتبة؛ فمنذ يومين وأنا لم أقرأ أي صفحة، وتذكرت وقتها مدربًا يطلب من لاعبيه عدم لمس الكرة ليومين قبل المباراة كي يتشوقوا لها، وطبعا هذا الفريق خسر المباراة بخمسة أهداف مقابل لا شيء، فهو مدرب غبي. ولا أخفي عليكم أنني أحس كأن شيئًا ينقصني وأنا بعيد عن الكتب ليومين. لذلك، حينما وقفت في منتصف المكتبة صباح اليوم، وما زلت أقف وأنا أكتب هذه الكلمات، شعرت بشوق عظيم يضاهيه رغبتي في ترك هؤلاء القابعين وسط الأرفف النظيفة التي أحرص على تعطيرها كل يوم بماء الورد، كأي ضريح مقدس يقع في جنوب العراق.لذلك تركت اتخاذ القرار إلى ما بعد أن أقرأ ما تبقى من تلك الكتب التي لم تطأها عيون قارئ بعد، وربما يتم اتخاذ هذا القرار في نفس يوم وفاتي غير المكتمل..#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم