مع ازدياد ظاهرة الرهبنة التي شهدها القرن الرابع الميلادي ، نتيجة التفاعل الاعتقادي – الاجتماعي الذي شهدته سوريا منذ الفترة الهلنستية مرورا بالفترة الرومانية مع ظهور الديانة المسيحية و ما تعرضت له من تنكيل ، كل هذا أدى مع نهايات القرن الرابع الميلادي إلى نشوء ظاهرة اعتقادية أطلق على أصحابها اسم القديسون العموديون .ولعل من أبرز هؤلاء يقف القديس سمعان العمودي الذي ولد في 386 م في كليلكيا السورية والتحق في دير تيليدا بعمر 16 سنة حيث بقي فيه لعشر سنوات ثم مضى إلى تيلانيوس \ دير سمعان الحالي \ بعد حين يزهد ويبني عمودا بطول 17 – 20 مترا، أما ساحة العمود التي يقف عليها فمساحتها حوالي 2 متر ، ليعتليه لمدة 42 سنة .يموت سمعان في 459 م وينشأ حول العمود بناء مقدسا على هيئة صليب سوف يتحول الى مزار للحج .يقال أنه في فترة ممارسته لطقوسه على العمود كان الحجاج يأتون من بلاد الغال وانكلترة و اسبانيا و ايطاليا .. وقد احترمه ووقره الفرس و العرب آنذاك .تشير الدراسات إلى أن مراسم الفنانين في روما كانت تعلق فيها صوره. الجدير ذكره أن هروب سمعان إلى العمود لم يكن حال قطيعة مع المجتمع ، فقد كان الناس يأتونه لفض خلافاتهم و سماع النصح و لغايات دينية أيضا ، وكعادة أصحاب اللطائف كان يشفي المرضى كما يقال حتى أنه يقطع صلاته مرتين من أجل ارشاد الناس وتوعيتهم دينيا واجتماعيا . للأسف لم يبق من عمود سمعان سوى جزؤه السفلي ، كان يحيط به درابزين ، أما قاعدة العمود فأحيطت بجدار للحيلولة دون تجمع الحجاج وانتزاعهم كسرات من العمود للتبرك والتذكار .داخل العمود ثمة قناة صحية ، وثمة تلميذ أو تابع للقديس يقدم له الطعام بواسطة سلم .سمعان كان ينام قليلا و في النهار يقف ساعات طويلة ، في الشتاء يبقى تحت الثلج والعواصف والامطار مرتديا فروة خروف فوق ثوب رهبنة وقلنسوة مروسة .ظاهرة العموديين تعزى لسمعان الذي ورث عنه تلاميذه هذا الطقس ولاسيما دانيال العمودي الذي نصب عموده في ضواحي القسطنطينية .بعد موت سمعان قام بطريرك أنطاكية بنقل جثمان القديس إلى العاصمة السورية أنطاكية .القيصر ليون الأول قام في بين عامي 471 – 474 ببناء كنيسة و ديرا قرب عمود سمعان تخليدا لذكراه .يشار إلى ظاهرة العموديين انتشرت آنذاك في عالم المتوسط واستمرت حتى بداية القرون الوسطى .. وخلدها فنانون كثر في أعمالهم . #بشار خليف# المشرق تاريخ واثار# محلة ايليت فوتو ارت.


