الفينيقيون: الأبجدية حين تعلّمت الإبحار كيف تحوّل الحرف المشرقي إلى ظاهرة متوسطية عابرة للحدود اذا كانت أوغاريت قد اكتشفت مبدأ الأبجدية، والكنعانيون قد رسّخوا حضورها في المجال الاجتماعي والاقتصادي، فإن الفينيقيين هم الذين منحوا الحرف جناحين. معهم، لم تعد الأبجدية ظاهرة محلية في مدن المشرق، بل أصبحت نظامًا متنقّلًا يعبر البحار، ويؤسس لشبكة تواصل ثقافي امتدت من سواحل الشام إلى قبرص وصقلية وقرطاج، وصولًا إلى شواطئ إيبيريا.بهذا المعنى، لم يكن الدور الفينيقي اختراعًا بقدر ما كان تحويلًا استراتيجيًا: من نظام كتابي إقليمي إلى أداة تواصل متوسطية.الفضاء الفينيقي: هوية تجارية قبل أن تكون سياسيةلم يكن الفينيقيون دولة مركزية موحّدة، بل شبكة مدن ساحلية مثل صور وصيدا وجبيل وأرواد، ترتبط بروابط لغوية وثقافية وتجارية. هذه المدن، بحكم موقعها الجغرافي، كانت على تماس دائم مع العالم الخارجي، ومعنية بتأمين وسائل تواصل فعّالة مع شركائها عبر البحر.في هذا السياق، بدت الأبجدية أداة مثالية. فهي بسيطة، قليلة الرموز، وقابلة للتكيّف مع لغات مختلفة. وهنا تتجلّى عبقرية المرحلة الفينيقية: لم يغيّر الفينيقيون جوهر الفكرة الأبجدية، بل حافظوا على بنيتها المختزلة، وكرّسوها في نموذج عملي سهل النقل.من الاثنين والعشرين حرفًا إلى نموذج عالميتميّزت الأبجدية الفينيقية باستقرارها النسبي عند اثنين وعشرين حرفًا صامتًا. هذا الاختزال منحها توازنًا بين البساطة والقدرة التعبيرية. وعلى عكس الأنظمة المعقدة السابقة، لم تتطلب الأبجدية الفينيقية تدريبًا طويلًا، ما جعلها مناسبة للانتشار بين التجار والبحّارة والإداريين.عندما وصلت هذه الأبجدية إلى اليونان في القرن الثامن قبل الميلاد تقريبًا، أدخل اليونانيون عليها تعديلًا جوهريًا بإضافة حروف تمثّل الحركات. لكن البنية الأساسية بقيت فينيقية. ومن هذه النسخة المعدّلة، ستتفرّع لاحقًا الأبجديات اللاتينية وغيرها.وهنا يظهر بوضوح أن الفينيقيين لم ينشروا بضائعهم فقط، بل نشروا بنية كتابية ستشكّل أساس الحضارة الغربية لاحقًا.السردية الغربية وإشكالية “الاختراع”كثير من الدراسات الكلاسيكية نسبت اختراع الأبجدية إلى الفينيقيين، باعتبارهم أول من نشرها على نطاق واسع. غير أن الاكتشافات الأثرية – خصوصًا في رأس شمرا وغيرها – أظهرت أن الفكرة الأبجدية سبقت المرحلة الفينيقية بزمن.هذا لا ينتقص من الدور الفينيقي، لكنه يعيد صياغته بدقة أكبر: الفينيقيون لم يخترعوا الأبجدية من العدم، بل ورثوا تقليدًا مشرقيًا سابقًا، ونجحوا في تعميمه وتثبيته في الفضاء المتوسطي.إن التمييز بين “الاختراع” و“الانتشار” ضروري لفهم تسلسل الأحداث، ولتجنّب القفز فوق المراحل الوسيطة التي أسست للفكرة قبل أن تتسع.الأبجدية والتجارة: علاقة عضويةلا يمكن فصل الانتشار الفينيقي للأبجدية عن طبيعة النشاط التجاري البحري. فالتجارة عبر المتوسط تتطلب عقودًا، توثيقًا، مراسلات، وتسجيلًا للديون والبضائع. وكلما كان النظام الكتابي أبسط، كان أكثر قابلية للاستخدام في بيئات متعددة اللغات.الأبجدية الفينيقية، بصيغتها المختزلة، وفّرت هذا الشرط. كانت قادرة على تمثيل أصوات لغات مختلفة بدرجة معقولة من المرونة، ما جعلها أداة مثالية للتبادل.وهنا نلاحظ أن الحرف، الذي بدأ في أوغاريت كتحليل لغوي للصوت، أصبح في المرحلة الفينيقية عنصرًا من عناصر البنية الاقتصادية العالمية المبكرة.من الشرق إلى الغرب… ثم عودة التأثيرعندما تبنّى اليونانيون الأبجدية وعدّلوها، لم يدركوا ربما أنهم يؤسسون لتقليد كتابي سيصبح لاحقًا معيارًا عالميًا. لكن هذا التبنّي لم يكن قطيعة مع الأصل، بل استمرارًا له في سياق جديد.ومع انتقال الأبجدية عبر اللاتينية إلى أوروبا، أصبح تأثيرها عالميًا. ومع ذلك، ظلّ خط تطورها في المشرق مستمرًا، عبر مسارات آرامية ونبطية ستقود في النهاية إلى الخط العربي.بهذا المعنى، لم يكن المسار خطًا واحدًا يتجه غربًا فقط، بل شبكة تفاعلات متوازية. فالحرف المشرقي لم يُستبدل، بل استمر في بيئته الأصلية وتطوّر فيها.الهوية الفينيقية بين الخصوصية والانتماءفي بعض الخطابات الحديثة، جرى فصل الفينيقيين عن محيطهم الكنعاني–المشرقي، وتصويرهم ككيان منفصل حضاريًا. غير أن المعطيات اللغوية والأثرية تؤكد أنهم جزء من الامتداد الكنعاني، يتحدثون لغة قريبة جدًا من بقية مدن الساحل.هذا الانتماء لا يُلغي خصوصيتهم البحرية والتجارية، لكنه يضعها في إطارها الصحيح: مرحلة من مراحل تطور فضاء ثقافي واحد، لا انقطاعًا عنه.ومن هنا، فإن الحديث عن الأبجدية الفينيقية ينبغي أن يُقرأ بوصفه فصلًا في تاريخ الحرف المشرقي، لا قصة مستقلة تمامًا.الأبجدية كأداة عولمة مبكرةيمكن النظر إلى المرحلة الفينيقية بوصفها أول تجربة “عولمة كتابية” في التاريخ. فالحرف الذي نشأ في بيئة محدودة أصبح يُستخدم في مساحات جغرافية واسعة، ويتكيّف مع لغات متعددة.هذه القدرة على التكيّف هي ما منح الأبجدية بقاءها. فالأنظمة المعقدة غالبًا ما تبقى محصورة في بيئاتها الأصلية، أما الأنظمة البسيطة المرنة فتمتلك قابلية الانتشار.وهنا تكمن قوة النموذج الأبجدي: أنه ليس مرتبطًا بلغة واحدة أو شعب واحد، بل يمكن أن يتحوّل إلى وعاء عام للصوت الإنساني.تمهيد للمرحلة التاليةومع اتساع الانتشار الفينيقي، لم تتوقف تطورات الحرف في المشرق. فقد ظهرت الآرامية كلغة إدارية واسعة الانتشار، وتطورت خطوطها عبر القرون، وصولًا إلى الخط النبطي، الذي سيشكّل حلقة حاسمة في نشأة الخط العربي.وهكذا، بينما كان الحرف يعبر البحر غربًا، كان في الشرق يواصل تحوّلاته الداخلية، استعدادًا لمرحلة جديدة من الإبداع.خاتمة: حين أصبح الحرف سفينةإذا كانت أوغاريت قد اكتشفت الحرف، والكنعانيون قد رسّخوه في المجتمع، فإن الفينيقيين جعلوه يبحر. لقد تحوّلت الأبجدية من فكرة لغوية إلى أداة تواصل عابرة للحدود، ومن نظام محلي إلى قاعدة كتابية عالمية.لكن هذه الرحلة لم تنتهِ عند شواطئ المتوسط الغربية. ففي عمق الصحراء وعلى طرق القوافل، كان الحرف المشرقي يستعد لتحوّل جديد سيقوده، بعد قرون، إلى واحدة من أبدع تجلياته: الخط العربي.في المقال الخامس، سننتقل إلى المرحلة الآرامية–النبطية، لنكتشف كيف تليّن الحرف، وتصلت حروفه، واقترب أكثر فأكثر من شكله العربي اللاحق.رسول حرداني الأحوازي# المشرق يخ واثار # مجلة ايليت فوتو ارت.


