الفيلم الذي تم ترشيحه لجائزة ( غولدن غلوب ) و لجائزة الأوسكار لعام 2024..”أنا القبطان Io capitano”.

أنا القبطان Io capitanoلم تقدم لنا نشرات الأخبار سوى شذرات قليلة من المعلومات ، مُرفقة بصور عامة و بإدانات منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوق الإنسان ، حول وضع المهاجرين الذي قدموا من العمق الإفريقي الى ليبيا لتكون منطلقهم الى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط ، و تحديداً الى إيطاليا التي كانت قد احتلت ليبيا إبان الحرب العالمية الثانية ، و تقع قبالتها ، ما يعني أن المسافة البحرية بينهما تعني الخط الأقصر بين افريقيا و أوروبا التي باتت تمثل حلم الشبان الأفارقة الذين نشأوا في ظل العنف و الصراعات و الإنقلابات العسكرية و العوز .هذا الفيلم ( أنا القبطان ) ، الذي أخرجه الإيطالي ” ماتيو جاروني ” ، يضع جميع التقارير الإخبارية و بيانات المنظمات الإنسانية خلف ظهره و يقدم لنا حقيقة ما يجري و ما يحصل للمهاجرين الأفارقة في ليبيا عبر حبكة درامية مدروسة بعناية ، كتب لها السيناريو أربعة كتّاب هم : مخرج الفيلم ” جاروني ” و ” ماسيمو جاوديوسو ” و ” ماسيمو تشيشيريني ” و ” أندريا تاجليافيري “. و قاد ” جاروني ” الإخراج ليقدم لنا فيلماً مؤثراً صفق له الجمهور لمدة 13 دقيقة متواصلة ، وقوفاً ، في مهرجان البندقية السينمائي لعام 2023 ، تحية لفيلمٍ كشف حقيقة مايجري للمهاجرين الأفارقة على يد مافيا الهجرة المجرمين في ليبيا .و يكاد المُشاهد لايصدق ما يظهر في الفيلم من ممارسات بشعة على أيادي أولئك المجرمين لولا كثرة التقارير الدولية عنها ، في حين إنها مستمرة حتى هذه اللحظة مادامت أحلام الأفارقة قائمة مع تصاعد وتيرة الإنقلابات العسكرية في افريقيا و متاهة الوضع السياسي الليبي و بشاعة أفعال الحركات الإسلامية ، مثل ( داعش ) و ( بوكو حرام ) و بقايا ( القاعدة ) و سواها .. مع بقاء الفقر كحالة أبدية في افريقيا . ولكن يبدو أن هذه المافيات لا تعمل لوحدها ، بل ثمة وجود خفي لجهات ليبية و دولية هي التي تتقوى بها .يستند الفيلم الى حقائق وقف عليها المخرج ” ماتيو جاروني ” ، ولكي يقدمها كفيلم واقعي متماسك مبتعد عن الإفراط في الخيال ، فقد اعتمد المشاركة في كتابة السيناريو مع كتاب محترفين وضعوا لهم هدفاً : هو وضع قضية المهاجرين الأفارقة في ليبيا تحت الضوء سينمائياً و تقديمها للمجتمع الدولي ، عبر السينما ، كقضية لا يمكن السكوت عنها ، أملاً في عبور منطقة بيانات الإدانة و الأخبار المبتسرة عمّا يجري في ليبيا الى منطقة اتخاذ اجراءات عملية لوضع حد لهذه المأساة الإنسانية .يبدأ الفيلم من السنغال ، حين يبدأ ” موسى ” ( لعب دوره ” مصطفى فال ” ) بطرح فكرة الهجرة على إبن عمه ” سيدو ” ( لعب دوره ” سيدو سار” ) ، و كلاهما مراهق ، و إذ أن ” سيدو ” مغنٍ و لديه طموحات فإن ابن عمه يغويه بفكرة أن البيض في أوروبا سيتهافتون على طلب توقيعه على الأوتوغراف باعتباره سيصبح مغنياً مشهوراً هناك .و كون ” سيدو ” طيباً و يحب اخوته و أمه فسيفصح لها عن نيته الهجرة الى أوروبا ، و يدلل على ذلك لأمه بأنه يقصد أن يوفر السعادة للعائلة ، و يستشهد بالذين هاجروا و راحوا يبعثون الأموال الى أهلهم ، ولكنها تدلل بمعارضتها على سفره بغرق الآلاف في البحر . و أثناء ذلك كان ” سيدو ” و ” موسى ” يعملان و يدخران المال سراً ليسافرا من دون علم أهليهما . فتنطلق رحلتهما من السنغال الى النيجر بجوازات مزورة على عجل عند الحدود ، و من النيجر تبدأ رحلتهما القاسية ، عبر كثبان الصحراء الكبرى الى مدينة ( سبها ) الليبية ، و قد تم بيعهما و الآخرين الى أكثر من مُهرّب .. حتى وقوعهما في براثن مافيا متخصصة لا يعرف أعضاؤها للرحمة سبيلاً . و سنقف خلال الفيلم على مشاهد بشعة من الإستغلال و التعذيب التي لم تنقلها نشرات الأخبار التي طالما اكتفت بالإشارات المقتضبة فقط .ينقل لنا الفيلم صورة واقعية عن طبيعة الصحراء الليبية الكبرى و متاهاتها و عرائها المخيف الذي تتخلله بقايا جثث مهاجرين انقطع بهم السبيل في هذه الصحراء الشاسعة المرعبة التي شهدت الأحوال في الحرب العالمية الثانية بين جيش الحلفاء بقيادة الجنرال الانجليزي ” مونتغمري ” و جيش المحور بقيادة الآلماني ” رومل ” . و يبدأ استغلال المهاجرين و التآمر عليهم ابتداءً من نقطة انطلاقهم في بلدانهم مروراً بنقاط الحدود و سائقي سيارات النقل عبر الصحراء الذين يتركونهم في العراء ليقودهم دليل غير مكترث بمن يواصل السير خلفه أو يسقط منهكاً من التعب أو العطش ، حتى يتركهم في توقيت يتزامن مع انبثاق عصابة مسلحة لتأسرهم و تقودهم الى المصير المجهول ليدركوا أنهم أمام قساة عديمي الضمائر ليبتزوهم و يستغلوهم أبشع استغلال حتى ينتهي الأمر الى بيعهم كعبيد ليبحث الواحد منهم عن طريقه في الخلاص ، و سندرك أن بين هذه العصابات أفراد هم من المرتزقة القادمين من بلدان أخرى .بالنسبة لبطلي القصة ” موسى ” و ” سيدو ” فإنهما يجدان نفسيهما محتجزَين مع بقية أفراد القافلة في ردهة عارية وسط صحراء مدينة ( سبها ) الليبية ليتم ابتزازهما و بقية المهاجرين بطلب أرقام ذويهم في بلدانهم للإتصال بهم و إبلاغهم بأن أبناءهم باتوا رهائن و لا يُفك أسر أي منهم إلا مقابل 800 دولار .و معروف عن مدينة (سبها ) ــ الآن ــ أن عدد المهاجرين الأفارقة فيها بات أكثر بكثير من عدد سكان المدينة الأصليين ، و قد انقطعت بهم السبل بعد أن استنزفتهم العصابات ، فآثروا البقاء في المدينة ، و قد ساعد على ذلك تشديد الرقابة على الحدود الساحلية بتحرك من الإتحاد الأوروبي لإيقاف المد البشري الإفريقي نحو أوروبا . فامتهن بعضهم البناء أو التنظيف و آخرون الزراعة فيما لجأ العاجزون الى التسول . و باتوا يتواجدون في أحياء أصبحت خاصة بهم في ( سبها ) مثل حي ( الأفارقة ) الذي يضم عشرات الآلاف منهم ، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي الى تغيير ديمغرافي في المدينة . و في الوقت الحاضر فإن الموقع الجغرافي الصحراوي لمدينة ( سبها ) حولها ليس الى ممر لتهريب المهاجرين فحسب بل اى تهريب السيارات و السجائر و المخدرات و كل ما من شأنه أن يدر الأموال على عصابات التهريب .في الفيلم ، ” موسى ” سيُـقاد الى السجن ، و سوف يغيب عن المَشاهد حتى الربع الأخير من الفيلم لنعرف أنه هرب من السجن ولكنه حمل معه جرحاً في ساقه من طلق ناري أصابه أثناء هروبه ، أما ” سيدو ” فقد بقي حاضراً حتى نهاية الفيلم في جميع مَشاهده ، و قد برع الشاب السنغالي ” سيدو سار ” في أداء دوره فاستحق عنه جائزة ” مارسيللو ماستروياني ” من مهرجان البندقية السينمائي الدولي في دورته الثمانين عام 2023 ، فيما نال الفيلم جائزة الأسد الفضي للمهرجان و قد لقيَ احتفاءً من قبل النقاد و من الجمهور الذي صفق له لمدة 13 دقيقة متواصلة ، و قد ترشح الفيلم لجائزة ( غولدن غلوب ) و لجائزة الأوسكار لعام 2024 .ــــــــــ

#سينما العالم#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم