الفيلم التسجيلي للمخرجة الإيرانية بيغاه آهنغاراني “بروفات لثورة” عرض في كان.

في مهرجان كان السينمائي الأخير 2026، عُرض الفيلم التسجيلي المتقن والآخاذ للمخرجة الإيرانية بيغاه آهنغاراني “بروفات لثورة” (Rehearsals for a Revolution)، وبعد مشاهدته مؤخرًا، لم يكن باستطاعتي سوى استحضار ما قاله أورسن ويلز في خطابه أمام طلاب مدرسة السينما الفرنسية في باريس عام 1982، بينما كان يُنظّر لعلاقته بالإبداع والأصالة، إذ قال ويلز عندها صراحةً: “العادة الأكثر بغضًا عندي في السينما الحديثة كلها هي الأوماج (homage)، فأنا لا أريد أن أرى أوماجًا لفيلم “عين الله” في أي فيلم آخر، ولو لأي أحد”.

لكن مع هكذا تصريح مفرقع، لا ندري ماذا كان سيفعل ويلز لو ظل حاضرًا معنا وشاهد فيلم بيغاه آهنغاراني “بروفات لثورة”. ماذا كان ليكون موقفه من كل تلك الأفلام الرائعة التي لا تنفكّ تتوالد من رحم مخيّلة عاشت وتغذّت، بل تربّت كاملةً على مخيّلات مبدعين آخرين، لا كطفيلي عاجز الإرادة، بل كابن تخلّق بكامله من تزاوج شيفرات وراثية جُدلت بحبلٍ جيني لُملم عبر قارات، ودمج رؤى سياسية، ومرّ بهجرات لم تصنعها الجغرافيا فحسب، بل خمّرتها التجربة الإنسانية التي تتطابق رغم المسافات واللغات والحروب والظروف السياسية. وهذا ما فعلته بالضبط مخرجة “بروفات لثورة”.

عن قرابات غير جينية واستلهامات مشروعة

في فيلم “بروفات لثورة”، لم يكن مفاجئًا أن تُصرّح المخرجة الإيرانية بيغاه آهنغاراني عن استلهامها تجربة السينمائي الشاعر والمنظّر الليتواني الأميركي الشهير جوناس ميكاس (1922-2019)، الذي فرّ من ليتوانيا إبان الحرب العالمية الثانية، ومرّ بمعسكرات النازية، ثم هاجر إلى نيويورك عام 1949، وكل ما في حوزته كاميرا 16 ملم، بدأ بها تصوير حياته اليومية عبر عقود.

“بروفات لثورة” أتى، كما صرّحت صانعته، من حاجة شخصية عميقة لاستعادة ما هدّدته السلطة بالمحو، من أسماء ووجوه وأصوات
ما أحبّته آهنغاراني في ميكاس أنه أمسك الشعر والسينما من جهتيهما الأبعد، وتطرّف في شاعريته، نشر دواوينه بالليتوانية وكتب نصوصًا أدبية طوال حياته، لكن الحدود بين الكتابة والسينما تلاشت في مخيّلته. في نيويورك انغمس كاملًا في المشهد الثقافي للمدينة، يصوّر الثلج في الشارع، وجوه الأصدقاء، وكان أيضًا شاعرًا بالمعنى الحرفي، ومؤسس مجلة (Film Culture)، وأحد أوائل من كتبوا عن آندي وارهول وكاسافيتس. من أشهر أعماله “والدن” (Walden) و(Lost, Lost, Lost)، وهو عنوان يقول كل شيء عن علاقته بالمنفى. لهذا كله يمكننا أن نجد صلة وصل منطقية لارتباط بيغاه آهنغاراني بتلك السيرة واستلهامها.

من أنتِ؟
بيغاه آهنغاراني، ممثلة إيرانية وُلدت عام 1984، ظهرت أمام الكاميرا للمرة الأولى وهي في السادسة من عمرها، وبنت مسيرة تمتد على أكثر من أربعين فيلمًا روائيًا، قبل أن تصبح صانعة أفلام وثائقية. هذا التحول حصل استجابةً للواقع ولضرورات التفاعل معه.

حين اندلعت احتجاجات 2009 إثر الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها، خرجت آهنغاراني إلى الشارع بكاميرا مخفية دعمًا لمرشح المعارضة مير حسين موسوي، فاعتُقلت. ثم اعتُقلت مرة ثانية عام 2011، وقضت أسبوعين في سجن إيفين الشهير قبل أن يُفرج عنها بكفالة باهظة إثر احتجاجات دولية. وفي 2013 صدر بحقها حكم بالسجن ثمانية عشر شهرًا. غادرت إيران واستقرّت في لندن منذ 2022، وهو، كالعادة في سياق الثورات والمنافي، نتيجة طبيعية لنهج جيل كامل من الفنانين الإيرانيين.

“بروفات لثورة” أتى، كما صرّحت صانعته، من حاجة شخصية عميقة لاستعادة ما هدّدته السلطة بالمحو، من أسماء ووجوه وأصوات. قالت آهنغاراني إن صنع الفيلم كان أقرب إلى العلاج النفسي منه إلى صناعة فيلم، إذ كانت تريد أن تقول ما في ذهنها دون أن تفكّر فيما سيحصل لاحقًا. هذه الحرية ربما هي بالضبط ما جعل الفيلم قابلًا للتحقق، خاصة في ظل التعتيم الإعلامي وانقطاع شبه تام عن الأصدقاء في إيران.

عن الحكاية ومفرداتها المكانية والزمانية

“بروفات لثورة” فيلم يبدأ بتعريف لكلمة “ياد” بالفارسية، التي تعني الذاكرة، بالطبع، لكن أيضًا الكيفية التي يعود بها الماضي ليدغم الحاضر. الفيلم مبني على خمسة فصول، كل فصل شخصية، وكل شخصية أسلوب بصري مختلف، من الأرشيف العائلي المصوّر بكاميرا سوبر 8، إلى مقاطع يوتيوب، إلى رسوم متحركة، وصور فوتوغرافية، وتسجيلات صوتية.

من قماشة وعي تاريخي وسوسيولوجي مفتّتة ومتشرذمة، لكنها، مع كل هذا، تحمل المعنى كونها فسيفسائية التموضع كالذاكرة ذاتها. لهذا، ومن هذا التنوع، تم رصد وتتبع الشخصيات الخمس المنتمية إلى ثلاث طبقات زمنية: من وُلدوا قبل المخرجة كأبيها المخرج وعمّها رشيد الطالب الصحفي الذي انتحر عام 1999 إثر تبعات احتجاجات الجامعات، وفي الفيلم أيضًا من هم أصغر منها، ابنتها، بينما تقبع آهنغاراني في المنتصف كشاهدة على الحدث وراوية له.

يغطي الفيلم ما يقارب الأربعين عامًا من التاريخ الإيراني، يبدأ من الثورة الإسلامية عام 1979، حتى الحرب التي اندلعت مطلع 2026، مرورًا بكل لحظة فتحت فيها إيران عينيها على أمل حقيقي لتجد نفسها تُدفن من جديد. وهنا يكتسب العنوان ثقله الكامل: بروفات، أو تمرينات على ثورة، ستُعاد وتُعاد إلى أن تصل شاشة العرض، أن تصل إلى النجاح.

حين عُرض الفيلم في القسم الخاص من مهرجان كان 2026، حضر بثقل سياسي ملائم: إيران تحترق في الخارج بحرب لم تخترها، وتختنق في الداخل بقمع لا يتوقف، بينما تقف امرأة في المنفى الفرنسي لتقول: هذا ما جرى. وصفت لجنة تحكيم “العين الذهبية” الفيلم بأنه يمتلك أسلوبًا سرديًا حيًا وملحًا، يتحرك عبر الموجات العنيفة للتاريخ دون أن ينزع قيمة الحياة الإنسانية الفردية من محور اهتمامه.

أما حين تسلّمت الجائزة، قالت آهنغاراني إنها تُهديها لشعب إيران، الذي لم يتخلَّ أبدًا عن النضال من أجل حقوقه وحريته وأحلامه، معربةً عن يقينها بأنه لن يستسلم. وأضافت: “لديّ أمنية أريد أن أشاركها هنا: أن يأتي يوم قريب تستطيع فيه ابنتي الصغيرة ليلى وكل أطفال إيران العيش في إيران حرة وديمقراطية”.

“بروفات لثورة” فيلم يبدأ بتعريف لكلمة “ياد” بالفارسية، التي تعني الذاكرة، بالطبع، لكن أيضًا الكيفية التي يعود بها الماضي ليدغم الحاضر
التجريبية والسينما الوثائقية

ما يجعل “بروفات لثورة” تجريبيًا بالمعنى الحقيقي ليس الشكل وحده، بل العلاقة التي يُقيمها بين الشكل والمادة. المرجعيات البصرية في الفيلم لم تسر على وتيرة واحدة، فانتقلت بين اللاهية والعابئة والجادة جدًا، بين لقطة عائلية فيها دفء ومزاح، ولقطة أخرى تثقل على الصدر كأنها لن تنتهي.

هذا التنقل في الأمزجة يماثل إيران نفسها، بلد لا تنقصه الخفة حين يشاء، لكنه، كحكاية، مثقل بالحروب والجدية وسوء الفهم العالق في كل اتجاه: بين السلطة والشعب، بين الشعب ونفسه، وبين البلد كله والعالم الذي لا يكفّ عن قراءته من الخارج فقط.

وهنا تحديدًا يلتقي اختيارها لميكاس مع اختيارها لإيران موضوعًا. ميكاس أيضًا لم يصوّر المنفى كمأساة متواصلة، بل صوّر الحياة هناك بحدّيها، خفيفة وثقيلة، من قلب ازدواجية لا يستطيعها إلا الصدق، وهذا ما يحمله فيلم آهنغاراني في كل لقطة: صدق جارح، اهتزازات وضربات، وترنّح يرنّ بموجاته مع رؤى ميكاس، كما لو أنهما توأمان، أخوان وُلدا من رحم واحد، رحم الإبداع، حتى لو لم تُقنع تلك التوأمة الشيّقة أورسون ويلز العظيم.

#عبير داغر اسبر #مجلة اديليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم