فرحان بلبل
ولد الراحل فرحان بلبل في حي شعبي من مدينة حمص السورية في أسرة تتوارث العلوم الدينية الإسلامية. فجده ووالد جده وأبوه من علماء الفقه الإسلامي. وكان ثالث إخوة بعد أخت وأخ.
- توفي والده وهو في الشهر السابع من العمر. وتوفي جده لأبيه بعد شهر حزناً على ولده. فدخلت الأسرة في ضائقة مالية سرعان ما تفاقمت مع دخول الحرب العالمية الثانية. وعندما بلغ الخامسة من العمر تزوجت أمه من رجل آخر. فوضعوه في الميتم الإسلامي في حمص مع أخته وأخيه الذي كان يرعاه وهو في هذه السن الصغيرة.
- بعدما نال الشهادة الابتدائية تولى أعمامه رعايته حتى الشهادة الثانوية. ثم انتقل إلى دمشق لإتمام دراسته الجامعية في الجامعة السورية كما كانت تسمى في تلك الأيام. ودرس فيها اللغة العربية لشغفه المبكر بالأدب.
- منذ المرحلة الإعدادية حتى الجامعية كان نهماً للثقافة – ومازال – في جميع أقسامها. فدرس الفقه الإسلامي والتراث الأدبي العربي في شعره ونثره وحفظ منه آلاف الأبيات الشعرية وكثيراً من النثر مع حفظ أكثر من ثلثي القرآن. ودرس الفلسفة منذ عهد اليونان حتى العصور الحديثة. واهتم بشكل خاص بفلسفة أرسطو والوجودية والماركسية. واهتم بالأدب الغربي من رواية وكتب فكرية اهتماماً كبيراً. كما تابع الأدب العربي المعاصر في مختلف الأقطار العربية وخاصة في مصر. الفن الوحيد الذي لم يهتم به هو المسرح لأن الحركة المسرحية في سورية كانت ضعيفة جداً منذ خروج الفرنسيين من سورية عام 1946.
- بعد تخرجه من الجامعة عام 1960 قسم اللغة العربية وآدابها عُيِّن مدرساً لمادة اللغة العربية للمرحلة الثانوية. وبدأ عندها نشاطه الأدبي فكان شاعراً وقصاصاً. كما أخذ يكتب في النقد الأدبي.
- فجأة وفي عام 1964 شعر بأن الشعر والقصة ليسا ميدانه، وأن المسرح هو ميدانه. لكنه لم يكن يعرف شيئاً عنه ما عدا لمحات قليلة درسها في الجامعة. ولذلك اعتكف في بيته مدة أربع سنوات يدرس فن المسرح في تاريخه الطويل ومدارسه واتجاهاته الأوروبية. وقرأ كل ما تُرجِم إلى العربية من نصوص مسرحية إنكليزية وفرنسية وألمانية وغيرها مما يقع في يده.
- أخذ يكتب المسرحيات. فكتب 13 مسرحية لم يُظهِر واحدة منها لأنه اعتبرها تمرينات على هذا الفن. وفي عام 1969 كتب أول مسرحية ناضجة هي (الجدران القرمزية).
في عام 1968 شكل فريقاً مسرحياً في أحد الأندية الفنية في حمص. وقدم هذا الفريقُ بعضَ المسرحيات ذات الفصل الواحد. وفي العام التالي حاول إخراج (الجدران القرمزية). لكنه أدرك أنه لا يعرف شيئاً عن فن الإخراج. فكلَّف مخرجاً مصرياً كان يقيم في حمص بإخراج المسرحية. ثم بدأ لأربع سنوات تالية يدرس فن الإخراج والتمثيل من خلال الكتب ومشاهدة العروض المسرحية في مختلف المدن السورية والتعلُّم من المخرجين. والأهم من هذا أنه كان يرصد استجابة الجمهور للعروض المسرحية وما هي المظاهر الفنية التي تثيره وتؤثر فيه لا في حمص وحدها بل في مختلف المدن السورية بحيث أدرك ملامح الذوق الفني للناس. وبذلك كان الجمهور أستاذَه الأول في دراسة فن الإخراج. وعندما قام بإخراج مسرحيته (الحفلة دارت في الحارة) عام 1972 أدرك الجمهور والنقاد أنهم أمام مخرج بدأ ينضج. - مسرحية (الجدران القرمزية) تدور حول أسرة فلسطينية هاجرت من فلسطين بعد قيام دولة إسرائيل. وسكنت في أحد المساجد لشدة فقرها. ثم صارت أسرة ثرية لأن سيدها – وهو الأخ الأكبر – استغل إخوانه الفلسطينيين وجمع الأموال. وقد أثارت المسرحية ضجة كبيرة في حمص بعد عرضها وخاصة بين أوساط الفلسطينيين. فأقيمت حولها عدة ندوات لمناقشتها. واختلف بعض الفلسطينيين حول ما جاء فيها حتى رفعوا السلاح على بعضهم لولا تدخل العقلاء بينهم.
- هذه المسرحية بما أثارته من ردود أفعال هي التي حددت له مفهومه لكتابة النص المسرحي. وهو أن يخاطب الناس بهمومهم وأوجاع عصرهم. وظل أميناً لهذا المفهوم طوال حياته.
- في عام 1973 شكل (فرقة المسرح العمالي بحمص) ضمن اتحاد عمال حمص من المجموعة نفسها التي بدأت معه عام 1968. وانتهجت الفرقة منذ تأسيسها أن تقدم عروضها المسرحية في حمص وغيرها من المدن والأرياف والتجمعات السكنية في سورية من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها. فكان عدد عروض المسرحية الواحدة يصل إلى ثمانين أو مئة مرة. وصنعت الفرقة لنفسها جهاز إضاءة بدائياً أقرب ما يكون إلى مصابيح إضاءة. وكان ديكورها سهل الفك والتركيب. وكثيراً ما كانت تقدم عروضها في أماكن ليس فيها منصة مسرح أمام جمهور يشاهد المسرح أول مرة. فكانت الفرقة تُحوِّل أية قاعة إلى منصة مسرح وتركب ديكورها وإضاءتها خلال ساعة. ثم تقدم العرض المسرحي. ثم تفك ديكورها وإضاءتها وتعود إلى حمص. ولجأت الفرقة إلى أسلوب جديد هو إقامة ندوة حول المسرحية بعد الانتهاء من العرض مع هذا الجمهور في كل أنواعه من جمهور المدن العريقة في فن المسرح إلى جمهور القرى والتجمعات السكنية التي لا تعرف المسرح. وبذلك ساهمت الفرقة بنشر الثقافة المسرحية في سورية.
- ولشهرة الفرقة ومكانتها قام الاتحاد العام لنقابات العمال بإنشاء فرق مسرحية في اتحادات العمال في المحافظات السورية. ثم أقام لهذه الفرق مهرجاناً سنوياً. ودام هذا المهرجان مدة عشر سنوات كان فيها واحداً من أهم المهرجانات المسرحية السورية والعربية.
- كان مفهومه عن المسرح العمالي أنه دفاع عن إنسانية الإنسان وكرامته وحقه في الحياة. وهو أيضاً محاربةٌ للفساد والطغيان والتخلف الاجتماعي الذي تعاني منه المجتمعات العربية الكثير. ومسرحياته التي كتبها وأخرجها أو التي انتقاها من المسرح العربي والسوري والأوروبي كانت تؤكد هذا المفهوم. ولذلك كانت عروضه المسرحية تثير من الغضب والرفض والهجوم العنيف بقدر ما كانت تحظى بالتأييد. وكمثال على ذلك فإن مسرحيته (لا تنظر من ثقب الباب) أثارت في مدينة حلب من التأييد والرفض أكثر بكثير مما أثارته مسرحية فيكتور هوجو (هرناني) يوم عرضها في باريس. وظل هذا التوتر الاجتماعي مرافقاً لعروضه المسرحية طوال 45 عاماً.
- اعتبر التراث الإنساني في المسرح ملكاً له. ولذلك قدم مسرحيات عربية وسورية وأجنبية. منها بعض مسرحيات ناظم حكمت. ومسرحيتان روسيتان. ومسرحية ألمانية وهي (الجرة المحطمة) لفون كلايست. واقتبس مسرحية بريخت (دائرة الطباشير القوقازية) فكتب (القرى تصعد إلى القمر) التي اختفى فيها الأصل الألماني لتبدو عربية بامتياز.
وقد استفاد فرحان بلبل من جميع المدارس الفنية في المسرح من مدرسة شكسبير إلى إبسن وبريخت وغيرهم. لكنه كان يعيد صياغة ما يأخذه من هذه المدارس ويطبعها بطابعه الشخصي بحيث يَخفى على قارئه أصول المدارس التي استفاد منها. ومن هنا نفهم تنوع أساليبه في الكتابة التي تنضوي في النهاية تحت أسلوبه المحكم في بناء الدراما رغم تنويعه لتركيب أركان المسرح. وبهذا الشكل كان لفرحان بلبل نهج خاص به. وأبرز نقاط هذا النهج أنه يريد تنوير المواطن العربي بفن المسرح الذي يبلغ عمره عند العرب ما يزيد قليلاً عن قرن ونصف من ناحية، وأن ينغمس في هموم المواطن العربي في دفاعه عن كرامته وحقه في الحياة.
وقد تلاعب بهامش الديموقراطية الضيق الذي كان متاحاً للكتاب السوريين والعرب. وإذا كان مسرحه في النهاية دفاعاً عن الإنسان وكرامته وحريته، فقد كان يلجأ إلى التحايل لتأكيد مقولاته. فكان يذهب إلى التاريخ مرة وإلى الأساطير وألف ليلة وليلة مرات. كما كان من أبرز كتاب المسرحية الواقعية في الوطن العربي. فكثير من مسرحياته تدور في الحياة المعاصرة بما يسمى (دراما العائلة) مما جرَّ عليه نقمة كثير من فئات المجتمع كالمحامين والقضاة والأساتذة ورجال الدين. وكثيراً ما هُدِّد بالقتل لجرأته هذه. - دامت الفرقة على نشاطها منذ عام 1968 حتى عام 2011. فقد توقفت عن العمل مع بداية الأزمة السورية. وبهذا ظلت الفرقة تعمل بحيوية مدة تقرب من خمسة وأربعين عاماً. وهي أطول فرقة مسرحية عمراً في تاريخ المسرح.
وقد دامت الفرقة هذه المدة الطويلة لأسباب عدة.
أولها: أن أعضاءها الذين تراوح عددهم بين ثلاثين وأربعين رجلاً وامرأة كانوا أصدقاء في الحياة. يسهرون معاً ويهتمون بقضاياهم ويعينون بعضهم في الأفراح والأحزان. وزاد من ترابطهم أنه وقعت بين بعضهم زيجات أو بينهم وبين أقربائهم. ومثال ذلك أن فرحان بلبل زوج اثنتين من بناته الثلاث لشابين من الفرقة. فلما أنجب المتزوجون منهم كان منزله ملعباً لأولادهم. وقد شارك بعض أطفالهم في مسرحيات الأطفال. فلما كبروا صاروا ممثلين في مسرحيات الكبار. وكذلك شارك أولاده الذكور الثلاثة وبناته الثلاث في الفرقة. ثم شارك فيها بعض أحفاده.
ثانيها: أن منزل فرحان بلبل كان مقرهم الدائم. يسهرون فيه ويعقدون اجتماعاتهم ويدرسون المسرح ويستقبلون الضيوف المسرحيين سوريين وعرباً وأجانب. وكانت زوجته ترعاهم كأنها أمهم. فهي تعرف، مثلاً، أن فلاناً يحب هذه الأكلة. فكانت تحتفظ له بها في برادها حين يأتي. وكانوا يعاملونها كما يعاملون أعز الناس عندهم.
ثالثها: الجو الديموقراطي في تقرير أعمال الفرقة. فالنص المختار للعمل عليه تتم قراءته ومناقشته من قبل الأعضاء. فإذا كان مناسباً بدأ العمل فيه.
رابعها: الانضباط الصارم في الفرقة. فهي تنتخب مجلس إدارة لتسيير أعمالها. وقرارات مجلس الإدارة ملزمة للجميع. فإذا أخطأ تمت محاسبته في الاجتماعات الدورية التي تعقدها الفرقة.
خامسها: أن أعضاءها لم يكونوا يقبضون أجوراً على عملهم المسرحي. فلم يكونوا يتنافسون من أجل المال بل يتنافسون فنياً لكي تتطور قدراتهم الفنية. وكان فرحان بلبل يراقب تطورهم ويدفعهم إليه. يأتيهم بالمحاضرين في فن المسرح وفي الثقافة عموماً. وكان منزله مقراً لهذا النشاط التثقيفي. - مجموع المسرحيات التي كتبها 44 مسرحية نُشِر منها 32 مسرحية. وقد نشرت هذه المسرحيات في سورية ولبنان ومصر والإمارات العربية. وبعضها أعيد نشره أكثر من مرة.
- اهتم بمسرح الأطفال فكتب فيه ست مسرحيات. وقدمت الفرقة عدداً كبيراً من مسرحيات الأطفال له ولغيره.
-ق ُدِّمت مسرحياته مرات كثيرة في سورية وفي عدد كبير من الأقطار العربية.
-مجموع الأعمال التي قدمتها الفرقة يزيد عن 45 مسرحية أخرج منها 35 مسرحية. والباقي أخرجها بعض أعضاء الفرقة الذين تعلموا الإخراج على يديه.
كان عضواً في اتحاد الكتاب العرب منذ عام 1971. - شارك في لجان تحكيم عدد كبير من المهرجانات المسرحية ولجان تحكيم النصوص والأبحاث المسرحية السورية والعربية. كما دُعِيَ إلى عدد كبير من المهرجانات المسرحية العربية ضيفاً ومحاضراً.
- كتب في النقد المسرحي عدداً كبيراً من المقالات والدراسات في الصحف والمجلات المختصة وما يزال.
- منذ عام 1986 حتى عام 2011 عمل في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق أستاذاً لمادة الإلقاء المسرحي. وفي المعهد نشر كتابه (أصول الإلقاء والإلقاء المسرحي) الذي صدر في أربع طبعات في سورية ومصر ودولة الإمارات العربية.
- مجموع الكتب النقدية التي أصدرها (15) كتاباً. منها (المسرح العربي المعاصر في مواجهة الحياة – من التقليد إلى التجديد في الأدب المسرحي السوري – المسرح السوري في مئة عام 1847 – 1946 – شؤون وقضايا مسرحية – المسرح التجريبي الحديث عالمياً وعربياً – مراجعات في المسرح العربي – أوراق غير متناثرة). وقام بعمل استثنائي وهو إعادة صياغة كتاب (رسالة الغفران) لأبي العلاء المعري الذي عاش في القرن الحادي عشر الميلادي. وهذا الكتاب من أهم ما كتبه العرب. فهو جولة فريدة في الجنة والنار. وكان شعار المعري له هو (لا إمام سوى للعقل). لكنه مكتوب بلغة قديمة جداً تصعب قراءته اليوم. فأعاد صياغته بحيث يقرأه القارئ العادي بسهولة. وبذلك أخرج الكتاب من رفوف المكتبة إلى التداول المعاصر.
- كتب كتاب (محمد بن عبد اللـه كما أراه). وفيه يسرد سيرة نبي الإسلام بعدما خلَّصها من الشوائب والزيادات. وأنزل محمداً والقرآن من مرتبة (المقدَّس) الذي لا يجوز المساس بهما إلى مرتبة (المقدَّر) الذي يمكن مراجعته ونقده. لكن هذا الكتاب لم تجرؤ دار نشر عربية على نشره.
-كرمته بعض الدول العربية وعدد من المؤسسات الثقافية السورية. - كتب وألقى كلمة (يوم المسرح العربي) في المهرجان الذي أقامته الهيئة العربية للمسرح في دورته العاشرة في تونس عام 2018
عن الصديق صبحي حمدون.. # حمص في سكور # مجلة ايليت فوتو ارت


