الكنز ” 5 ” .. ثم نرى الفنان القدير د . وليد قانوش ” 1972م ” وارتباطه كذلك بالبيئة السكندرية التى يعيش فيها بعد مولده فى الأول من أبريل عام 1972م ببلدة ” إيتاى البارود ” التابعة لمحافظة البحيرة ، حيث قضى فيها طفولته وصباه ، لتختلط البيئتان بمفرداتهما الغنية بين البحر والرملة والمراكب والصخور والجدران الناشعة والطينة والترع والأشجار والشمس والقمر ، وهى التركيبة التى يعتمد عليها وليد قانوش بعد مشوار طويل من التأملات العقلية والتدقيقات الذهنية التى تعادلها التدفقات الوجدانية عبر التعامل مع أسطح مختلفة من الخشب والقماش بمساحات متمايزة عبر استخدام الألوان الزيتية والأكريليكية بتمكن تقنى يتواءم مع المزيج العقلى والوجدانى عند الفنان ، وهو مايميزه منذ تخرجه من قسم التصوير بكلية الفنون الجميلة بالإسكندرية عام 1994م .. ورغم سيطرة العقل على بنائه التصويرى لعدة سنوات ، إلا أنه فتح فيه لاحقاً عدة أخاديد وجدانية وروحية أمدته بالنداوة والطراوة الرافدة من عشقه للطبيعتين الجغرافية والأنثوية عبر تجارب ثرية ممتدة ، متأرجحاً بين الإستحضار التراثى والحضور المرئى ، من خلال الإندماج مع الطبيعة المباشرة من القمر والشجر والنهر والحيوانات والطيور ، داخل غلاف تصويرى من ملامس مختلفة .. وقد تجنح تراكيبه البنائية أحياناً إلى التجريد الخالص الخالى من الوجود البشرى المتعين إلا قليلاً ، بما جعله يجول فى براح الصورة عند مشارف الطيران ، حتى أن المتلقى ربما يشعر أحياناً أن بئراً للطاقة يربض فى قاعدة التكوين قبل أن تندفع منه التواليف المعمارية لأعلى فى طريقها صوب قمة المشهد الذى يكاد ينفرج على الجانبين لتبدو الكتل وكأنها ستغادر حيز الرؤية من فرط احتشادها بوقود الدفع .. وفى هذا الإطار تتعدد مساقط التكوين عند قانوش ، بداية من الرؤية الأفقية وحتى منظور عين الطائر ، مروراً بتبدلات التلقى فى كل أركان التكوين ، بما يساعده على إحداث تباديل وتوافيق تصويرية مهجنة بالحركة الصاعدة من أسفل لأعلى ، وكذلك الدوامية المستمرة لكتل تبدو أحياناً بللورية كريستالية بفعل خطوط تحد حواف الأشكال ، وعلى جانب آخر قد تظهر تراكيبه ممشطة بالفرشاه عبر عفوية أدائية تحت سيطرة وليد عندما يجسد جذع النخلة التى توحد معها فى مدينة ” رشيد ” عبر اقتران إيهامى خصيب بجسد الأنثى .. والمدهش هنا هو أن الملمس عند الفنان يحتل دوراً محورياً فى صياغة رمزيات الصورة ، حيث التنوع بين ملامس حراشف النخيل ولبنات الهرم وأوراق الشجر وشطائر الخبز ولحم السمك وبشرة الأنثى ، وهو الخليط البصرى الذى ارتكن فيه إلى دراسات دقيقة لعناصر غزل الصورة ، إضافة إلى حريته فى الكشط والكحت والمسح والنطر عبر علاقة لافتة لديه بين العفوية والنظامية .. بين التلقائية والصرامة ، على خلفية مهارته فى إحكام الصلة بين العضوى والهندسى فى كل أعماله التى بدت فيها الحركة الترددية لفرشاته بين البعدين الثانى والثالث .. بين التسطيح والتعميق ، ليتحول المثلث إلى هرم ، والمربع إلى مكعب ، والدائرة إلى كرة ، والعكس فى الإتجاه المضاد ، عبر حس تبادلى بين الإنكفاء والإرتقاء .. بين الإنقباض والإنبساط .. وربما كان الضى هنا عاملاً مؤثراً فى تحديد أبعاد المشهد على المستويين البصرى والروحى ، حيث ذلك المزج الساحر بين النور الرافد من الروح ، والضوء الوافد من العقل ، عبر تنوع فى مصادر الإنارة أو الإضاءة .. أما اللون فيأتى عند وليد قانوش معبراً عن بهجة الحالة الإبداعية والفنان نفسه ، حيث الوهج الصدّاح للأحمر والأزرق والأصفر وتخليقاتها المتنوعة من الحنائى والأخضر والبنفسجى والطوبى والفيروزى والبرتقالى وغيرها من التواليف اللونية التى يحضّرها الفنان لحالة الأداء التصويرى اللحظي .. وقد احتفى وليد قانوش بالجسد الأنثوى بالتضافر مع بعض المعطيات الجغرافية المرئية الخصيبة كالأشجار والنخيل والماء والطين ، حتى بدا المشهد لديه عند قمة الإنسجام البصرى والوجدانى والروحى .. وفى تجاربه الأخيرة نجد الفنان القدير وليد قانوش قد مال إلى الآلية العقلية ثانية بالتضافر مع الحس الإشارى عبر استخدامه لرقعة الشطرنج ملتحماً من خلالها مع سياقه البيئى الواقعى المحسوس بكل تجلياته الإجتماعية والجغرافية والتاريخية والسياسية من خلال تعدد زوايا المنظور فى المشهد الواحد ، وكذلك الإيماءات الرمزية للقطع الشطرنجية المتناثرة داخل مشهده التصويرى الذى بات موطئاً لحالة تعبيرية غنية جمع فيها بين عوامل الإستلهام الإبداعى من الجغرافى والتاريخى والواقعى على محورى العقل والوجدان عبر ذلك الإستقطار البيئى المصبوب فى الوعاء التراثى .
الحلقة الخامسة من نص كاتب هذه السطور فى موسوعة ” الكنز ” التى أصدرها الناشر أ أكرم أبو دنيا من خلال مؤسسة ” أليكس أدف ” _ هذا النص تحت عنوان ” الأسطورى والبيئى فى الوعاء التراثى ” ويضم هذا الجزء من النص الإبداعات التصويرية للفنان القدير د . وليد قانوش مصحوبة بصور أعماله ببياناتها + صورته الشخصية .
Waleed Kanoush Akram Abou Donia


