الفنان السعودي عصام عبدالله عسيري تحويل الذاكرة إلى طاقة تشكيلية قابلة لإعادة الاكتشاف
رحيم يوسف / بغداد
لا تمثل عملية استعادة الموروث الفني والحضاري نقطة اتصال به فحسب، بل هي محاولة جادة لاستلهام هذا الموروث عبر إعادة إنتاج القيم الجمالية الكامنة فيه، بما يتوافق مع أحدث المقترحات الجمالية المطروحة للتلقي في زمن الاستعادة. والحديث هنا عن الفن التشكيلي المعاصر، الذي استلهم فيه العديد من الفنانين موروثاتهم الحضارية لإنتاج تجارب فنية نالت الاستحسان لتميزها، وفرضت وجودها أثناء عرضها على المتلقي.
ومن المهم الإشارة إلى أن تلك الاستعارات لا ينبغي أن تكون شكلية فحسب، بل يجب أن يتمكن الفنان من القبض على الروح الكامنة فيما يستعيره. وبذلك تكتسب التجربة قوة أكثر تأثيرًا في الوسط الفني. ومن التجارب الفنية اللافتة تجربة الفنان التشكيلي السعودي الدكتور عصام عبدالله عسيري، التي عمد فيها إلى المزج بين إرثه الفني المتمثل بفن القط العسيري ومدارس الفن الحديث، لإنتاج تجربة جمالية استفادت كثيرًا من دراسته للهندسة، التي بدت آثارها واضحة فيها، محولًا الذاكرة من صورة محفوظة إلى طاقة تشكيلية قابلة لإعادة الاكتشاف.
ومن أهم الجوانب في تجربته أنه لا يفصل بين الممارسة الفنية والبحث؛ فهو يكتب في الفن منذ سنوات، وله مقالات وأبحاث في الفنون البصرية والتصميم، كما صدر له كتاب «العين الثاقبة» عام 2021، وشارك في محاضرات وندوات وورش متعددة في تاريخ الفن والنقد والتربية الفنية. وهذا الجانب يجعل تجربته تتحرك في اتجاهين متداخلين: العين التي تنتج الصورة، والعين التي تحاول فهمها. وهذه الثنائية مهمة جدًا؛ لأن الفنان الذي يشتغل على التراث يحتاج إلى أن يكون قادرًا على رؤية ما وراء الصورة الموروثة، لا أن يكررها.
في الفن التشكيلي المعاصر، تقوم معظم التجارب على السؤال، سواء أكان معلنًا أم مضمرًا؛ لأن السؤال هو الحدث الأهم في التجربة. وقد لا تبدأ التجربة بالسؤال، غير أنه يبقى قائمًا فيها، سواء في ذهنية الفنان أو المتلقي. ولعل أهمية التجربة تكمن في أنها تطرح السؤال. فثمة تجارب فنية لا تبدأ من سؤال: ماذا أرسم؟ وإنما من سؤال أكثر عمقًا: ماذا يمكن أن أفعل بما ورثته بصريًا؟
ولعل هذا السؤال يفتح بابًا واسعًا للتجربة، باعتبارها تقف عند منطقة تتقاطع فيها الذاكرة المحلية مع التجريد، ويلتقي فيها التراث مع هندسة الشكل، فيما يتحول اللون من وسيلة لتزيين السطح إلى عنصر فاعل في بنائه. وهذا ما يجعل تجربة عسيري جديرة بالتأمل والقراءة.
عسيري، المولود في بريدة عام 1971، تخصص في التربية الفنية بعد بداية دراسية في الهندسة الميكانيكية، ثم حصل على درجة الماجستير في التربية الفنية، وأجرى دراسة في أبحاث التصميم بجامعة برونيل البريطانية، وحصل على الدكتوراه في فلسفة التربية الفنية من جامعة الملك سعود عام 2018. وهو يعمل حاليًا أستاذًا مساعدًا في قسم الرسم والفنون بكلية التصاميم والفنون في جامعة جدة.
ومع أهمية دراساته الأكاديمية، فإنها ليست كافية للدخول إلى تجربته التشكيلية، وإنما يمكن الولوج إليها من خلال العديد من المعطيات الجمالية، ومن أهمها علاقته بالزخرفة العسيرية، التي لم يتعامل معها باعتبارها مادة تراثية جاهزة للنقل إلى السطح التصويري، بل عمد إلى تفكيك بنيتها الأصلية، واكتشاف إمكاناتها الهندسية واللونية واستثمارها جماليًا.
تشير المصادر إلى أن عسيري اشتغل على نقل الزخارف العسيرية إلى السطح التصويري برؤية معاصرة منذ عام 2004، رابطًا إياها بالتجريد الهندسي وبأفكار تقترب كثيرًا من السوبرماتية.
فالزخرفة، حين تكون جزءًا من جدار أو باب أو فضاء معماري، تؤدي وظيفة جمالية داخل المكان، لكن حين تنتقل إلى السطح التصويري، فإنها تفقد وظيفتها الأصلية وتدخل في نظام آخر. إنها لا تعود زخرفة بالمعنى التقليدي، وإنما تصبح مفردة تشكيلية قابلة لإعادة التنظيم. ومن هنا تتشكل خصوصية تجربته؛ لأنها تبحث في جوهر الشكل التراثي، لا في استنساخه.
من المعلوم أن فن القط العسيري يقوم على مفردات هندسية وألوان واضحة وعلاقات متكررة بين المثلثات والمربعات والخطوط والمساحات. وعندما يستعيد عسيري هذه العناصر داخل السطح، فإنه يسير بها باتجاه السؤال الحداثي: ماذا سيحدث عندما تدخل مفرداتك المحلية في فضاء التجريد العالمي؟ والجواب هو أن التراث لا ينبغي أن يبقى خارج الحداثة، بل أن يدخل إليها ويعيد تشكيل نفسه داخلها.
لننظر إلى أحد السطوح، الذي يمثل تركيبًا هندسيًا يقوم على مثلثات متراكبة وأشكال مستطيلة ودوائر متداخلة، فيما تتجاور ألوان الأحمر والأخضر والأصفر والأزرق والأسود ضمن بناء شديد الوضوح، ليتضح لنا أنه يمزج بين فن القط العسيري وحركة السوبرماتية.
من هنا يتولد لدينا سؤال مهم: هل تعني الحداثة، من بين ما تعنيه، التخلص من الذاكرة، أم إعادة اكتشافها بطريقة جديدة؟ والجواب الأقرب إلى هذا السؤال هو الاحتمال الثاني؛ لأن الحداثة لدى عسيري ليست قطيعة مع المكان، وإنما إعادة تنظيم لذاكرة المكان.
إن هندسة السطح التصويري لدى عسيري ليست مجرد ترتيب للأشكال، بل محاولة لخلق نظام داخل الفوضى البصرية؛ لأن الأشكال الموجودة، كالمثلث مثلًا، ليست مكتفية بذاتها، بل يدخل كل منها في علاقة مع شكل آخر، ويكتسب كل لون قيمته من مجاورته اللونية، فيما تحدد كل مساحة حضور المساحات الأخرى. ولعل هذا يأتي بتأثير مباشر من دراسته للهندسة الميكانيكية قبل انتقاله إلى الفن، كما هو معروف. وهو نفسه يذكر أن ذلك أسهم في انجذابه إلى التجريد الهندسي. كما أنه يربط الفنون بالتخصصات العلمية والهندسية والتقنية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية.
وهكذا يصبح السطح التصويري أشبه بميدان تتحرك داخله القوى البصرية. كما يمكننا استعارة فكرة الإيقاع من الموسيقى لفهم هذه السطوح، نظرًا إلى وجود التكرار فيها؛ فالتكرار هنا لا يعني إعادة الشيء نفسه، بل يهدف إلى خلق مجموعة من الاختلافات داخل البنية المتكررة.
لونيًا، يستخدم الفنان اللون باعتباره ذاكرة للمكان. فإذا كان الشكل يمثل البعد الهندسي في تجربته، فإن اللون يلتصق أكثر بالذاكرة؛ ذلك أن الألوان الصافية والقوية المرتبطة بالقط العسيري لا تظهر على السطح باعتبارها ألوانًا طبيعية تحاكي منظرًا أو مكانًا، بل باعتبارها ألوانًا تحمل ذاكرة.
فالأحمر والأصفر والأخضر والأزرق والأسود لا تصف أشياء بعينها، بل تستحضر عوالم. وعليه، فإن الفنان لا يرسم المكان بقدر ما يستعيد أثره في الذاكرة. وهنا يكمن الفرق بين من يرسم المكان أو يحاكيه، ومن يستعيد أثره؛ لأن الأول ينظر إلى المكان من الخارج، بينما ينظر إليه الثاني من الداخل، مستحضرًا ما تركه من أثر في الوعي والوجدان.
إن تحرك عسيري في تجربته عبر ثنائيات المكان والذاكرة، والزخرفة والتجريد، والموروث والمعاصرة، أي بين الهوية والاستعراض التراثي، يضعه أمام مهمة صعبة ودقيقة؛ لأن الاشتغال على التراث يمكن أن يحوله إلى علامة جاهزة، أي إلى مجموعة من الرموز التي تكفي للإشارة إلى الهوية دون أن تنتج رؤية فنية جديدة. لكن عسيري، بفطنته ووعيه، تمكن من الانتقال من الرمز التراثي إلى البنية التشكيلية، وبذلك حقق نجاحًا في هذا الانتقال؛ لأنه لم يكتفِ بالقول: «هذا من عسير»، بل حاول أن يجعل من عسير لغة بصرية.
فهو لا يستعيد البيت العسيري كما هو، ولا الجدار كما هو، ولا الزخرفة كما هي، وإنما يستخرج من هذه العناصر نظامها الداخلي: الخط، والتكرار، والتماثل، والتقاطع، واللون، والإيقاع، ليحول التراث إلى مادة للتفكير، لا مادة للتزيين.
وأخيرًا، لنسأل: ماذا يحدث عندما تتحول ذاكرة المكان إلى هندسة، وتتحول الهندسة إلى لون؟
سيكون الجواب عبر سطوح عسيري، التي يحاول من خلالها إعادة بناء الهوية، لا عبر الحكاية، وإنما عبر البنية البصرية؛ لأن الهوية في تجربته ليست شخصيات أو أحداثًا أو مناظر طبيعية، وإنما مجموعة من العلاقات التي تنتقل من الجدار إلى السطح، ومن العمارة إلى التجريد، ومن الذاكرة إلى اللون.
وهذا ما يجعل تجربته تتجاوز فكرة الفنان الذي يستلهم التراث، إلى محاولة جعل التراث نفسه قادرًا على إنتاج لغة معاصرة. فهو لا يأخذ التراث إلى الحداثة فحسب، وإنما يأخذ الحداثة إلى التراث أيضًا، فيضع الاثنين داخل سطح واحد، ثم يترك اللون والهندسة يقومان بعملية الحوار. وهنا تحديدًا، يصبح السؤال أكثر أهمية من الجواب: هل يمكن للتراث أن يكون حداثيًا؟
إن التجربة تقدم لنا، بصريًا، محاولة للإجابة عن هذا السؤال دون أن تغلقه؛ فالموروث عنده ليس شيئًا ننظر إليه من الخلف، بل مادة يمكن إعادة تشكيلها من أجل النظر إلى الأمام. ولذلك تمكن من تحويل الذاكرة من صورة محفوظة إلى طاقة تشكيلية قابلة لإعادة الاكتشاف.
#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.


