الفنان الجزائري مراد عبداللاوي لين التأمل والحلم في أحدث معارضه “أحلام الصمت”.

حلام الصمت”.. فلسفة تشكيلية ترفض السطحية الفنية

بشرى بن فاطمة

صمت ا بلغ من الكلماتيقدّم الفنان الجزائري مراد عبداللاوي في أحدث معارضه “أحلام الصمت” تجربة فنية تجمع بين الحلم والتأمل، حيث يأخذ متلقي لوحاته التجريبية في رحلة للبحث عن المعنى العميق للصمت، للإبحار في فلسفة السكون، ولاكتشاف كيف يمكن أن يتحوّل الصمت إلى لغة بصرية مميزة تنطق بالجمال.”الصمت هو الوجه الآخر للوعي”، هكذا تراه مارينا أبراموفيتش. وفي عالم يفيض بالصخب وتنفلت منه الكلمات مثل سيول تجرف الأحلام بالصور والأصوات، في تداخل وفوضى وتيه يضيّع المعنى والجمال، اختار التشكيلي الجزائري مراد عبداللاوي أن يحمل جمهوره إلى عوالم الصمت والتأملات حتى يصغي لصوت الروح ويحمل الجسد إلى مناطق أبعد في تذوّق لذة نصوص اللون واكتمال المعنى الدائري بالأمل والإنسانية في دورة الطبيعة، من خلال رحلة تشبه الحلم أو تعبّر عن ذلك الوجه الآخر للوعي كما قالت الفنانة مارينا أبراموفيتش.“أحلام الصمت” كما هو عنوان المعرض، ليس لحظة شاعرية ولا منفذ تغييب ولا مهربا نحو اللاموقف أو اللاحضور بل وعي يُثبّت الحكمة الجمالية، التي تقول إن الصمت حاجة مُلحة للغوص في تفاصيل حقيقية للجمال.“أحلام الصمت” سفر تجريدي باللون بالفكرة بتلك الحكمة المجنونة بالمشاعر الكثيفة والأفكار المحلّقة بتعقّل يتبصّر رحلة اكتمال تتكامل نحو 135 لوحة تعكس تجريبه المستمر وعناده الذي ألحّ عليه أن يعيد تكوين الفكرة في مواسمها وحالاتها في تفاصيلها وحواسها في تعقّلها وتبصّرها في الفقد والتثبيت في الحالات، التي ترتحل نحو النضج والبحث، هي تفاصيل لا يكفي يوم واحد لاكتشافها، هي بوح لا يتحمّل لحظة واحدة للتماهي معه.هي أحلام صمت احتضنتها قاعة باية بقصر مفدي زكريا للثقافة بالجزائر العاصمة انطلقت من 16 أكتوبر الجاري وتستمر إلى 14 نوفمبر المقبل.صمت يوقظ الوعيالفنان مراد عبداللاوي بأسلوبه الناضج بالتجريب فكّك الفراغ وأعاد تركيب اللون واستنطقه بلغته التي تماهت مع حالاتهالفنان مراد عبداللاوي بأسلوبه الناضج بالتجريب فكّك الفراغ وأعاد تركيب اللون واستنطقه بلغته التي تماهت مع حالاتهتخرج الفنان التشكيلي مراد عبداللاوي، المولود في عين البيضاء، من المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة بالجزائر العاصمة سنة 1989، السنة التي بدأ فيها مسيرته الفنية الثرية، عرضت أعماله في جميع أنحاء الجزائر وفي العديد من الدول العربية والأوروبية.في فلسفته الفنية الصمت ليس حالة سلبية. يقول مراد عبداللاوي “أستعير الكثير من تأملات اللون في الطبيعة، حتى استدرك رحلة اللغة من صمت البوح داخل المساحات في حجم اللوحة.”فهو من تكاثف اللغة داخل ملامح الانتماء للواقع، يحمل ضجيج الصخب ليبلور تلك المحاورات التي أراد تنسيقها في حركة تصاعدية بين لوحة وأخرى داخل الفضاء العام للقاعة الذي بدا مثل كون حرّر فيه المتلقي من قيد الحدود وقيود التأويل ورصد احتمالات لتفسير المقصود.فكل فكرة تحمل روحه التي تتراقص أو تندمج، تتصادم بالجمال وتتشافى بالصمت في فرح مشحون الحسية الجمالية بشجن كثيف الأحزان، لكنه باق ومستمر باحثا عن الأمل في الحضور أو بوعي فلسفي في طبيعة من نور تتلألأ بين الذات ونظيرها الشبيه في الذهن أو نقيضها المجادل بالحواس، كما تقدح في تدفقات الألوان الحارة التي تعبّر عن توهجاتها انطلاقا من تفكير الفنان بينه وبين اللوحة كتماس يصله بالمتلقي.إن حالة الصمت التي تعبر من رمادياتها نحو عمق في سواد طافح بالفلسفة بالمعارف ومن أزرق يتدرّج ببروده العاقل متسلّقا حكمة التجلي في كون فسيح بالمعنى وأصفر أو ترابي يحوّل جغرافيا الانتماء لديه إلى عوالم واسعة مثل صحراء تستدرج فكرة السراب بالوهم تعبّر وتصل وتتصّل، حتى لا تكون مجرّد انسحاب فرداني إلى الداخل بل تدفقا وانسيابا خارجيا يجد ضالته الفكرية والشعورية في المكان والإنسان، في اللحظة والصورة، في الفكرة وما ورائياتها.إن التواصل مع عبداللاوي في مواضيع فلسفة الصمت، أو محاكاة الروح في رحلة صوفية باللون الواحد أو الألوان المتمازجة، أو في تتبع أثر النقطة والخط، أو خربشة العمق بالحركة بوقع إيقاعها الداخلي الذي يعيد كل شيء إلى بداياته، هو ركض نحو مسافات أبعد كاحتواء حقيقي في وجود مختلف يتعاصف ويتصادم بين المادي والجوهري لينبعث من مخاض اللون مجدّدا.موقف فلسفي”أحلام الصمت” وعي يُثبّت الحكمة الجمالية التي تقول إن الصمت حاجة مُلحة للغوص في تفاصيل حقيقية للجمال”أحلام الصمت” وعي يُثبّت الحكمة الجمالية التي تقول إن الصمت حاجة مُلحة للغوص في تفاصيل حقيقية للجمالاختيار الصمت هو رفض للسطحية، هو سمو يستدرج المتلقي نحو عمق المعنى، حتى يكون الإنسان جديرا بالعقل المفعم بمشاعر الوجود، فهو يعيد فكرة المقاومة الجمالية والفكرية باللون، وكأنه يترك اللوحة تستعيد وهجها من حوار الألوان، كرحلة تجريدية تجيد تعميق المفهوم وتكثيفه نحو عبوره داخل المساحة، في تكاثفات الحسيّ الذي يتداخل بين لوحة ولوحة بين مساحة ومساحة.فالفنان بأسلوبه الناضج بالتجريب فكّك الفراغ وأعاد تركيب اللون واستنطقه بلغته التي تماهت مع حالاته بتدرج راوغ الظلال والمساحات الداكنة بنور انعكاسي على المسطّح سافر فيه إلى جغرافيا الجزائر أو بتلك الجغرافيا إلى العالم.فالصمت في تلك التفاصيل التي قد تبدو حالة عابرة، هو صبر كثيف على التمازجات الحسية وتناقضاتها بين الفقد والحضور بين الحزن والفرح بين الذكرى والذاكرة بين الموت والحياة بين الموجود والمنشود، موقف فلسفي خلق طبيعة تواصل انسانية مع الوجود بحواس تمازجت مع الموجود بنضج في حضور اللون العاري من زخرفاته فاللون ليس أداة تزينية بل موقفا يحاول أن ينتشل الحواس من جمودها والوعي من سباته حتى يسأل يتساءل وينسئل وتلك محاورات ضجّت بها قاعة العرض بكثافة السكون.فنحن من خلال معرض “أحلام الصمت” نجد في رحلة البحث عن المعنى أو مجازه عبر التجريد أن عبداللاوي لا يتكلم باللون بل يقتفي أثر الصمت كفكرة تقترن بالصمت نفسه بين الفعل والموقف بين السكون والحركة، إنها حركت تعيدنا إلى تجليات عبرتها الشاعرة ألفونسيا ستورني عندما وقّعت اتفاقيات الصمت على حروف اللغة وتماهت معها في هندسة مشاعرها وتكوير أحلامها وأحزانها بقولها: “لو لم أكتب، لابتلعني البحر، لو لم أتكلم، لصرخت الصخور باسمي”، وكأن الفنان هنا يقول لو لم أشكّل اللون لابتلعتني اللوحة ولو لم أصمت لانتقل بي المعنى إلى ضوضاء الحواس هكذا خلق موازينه الثقيلة في تفاصيله المعلنة والخفية التي تماهى بها ليخبر المتلقي أن الصمت أيضا عبء ثقيل بوصفه ملاذا للمتألمين. #صحيفة العرب #مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم