أوجين أرنست هيليماخر… سايكي في رحلة إلى العالم السفلي
في القرن التاسع عشر، استعاد الفنانون الأوروبيون أساطير اليونان وروما القديمة، لا باعتبارها حكايات من زمن بعيد بل مادة فنية غنية بالصراعات الإنسانية والمشاعر المتناقضة. وفي هذا السياق تأتي لوحة سايكي في العالم السفلي التي أنجزها الرسام الفرنسي أوجين أرنست هيليماخر عام 1865، مستلهمًا إحدى محطات الأسطورة التي تجمع سايكي وإيروس، أو كيوبيد في التسمية الرومانية.
وُلد هيليماخر في باريس عام 1818، وتوفي فيها عام 1887. وهو رسام أكاديمي تخصص في الموضوعات التاريخية والأسطورية، إلى جانب البورتريه ومشاهد الحياة اليومية. درس في مدرسة الفنون الجميلة في باريس ابتداءً من عام 1838، وتتلمذ على يد الرسام ليون كونييه، ثم شارك في صالون باريس الفني للمرة الأولى عام 1840. وقد عُرف باهتمامه بالموضوعات المستمدة من التاريخ والأدب، وبقدرته على صياغة المشاهد السردية ضمن بناء تشكيلي واضح.
تحمل اللوحة عنوانها الفرنسي Psyché aux enfers ويُترجم إلى «سايكي في العالم السفلي». وهي لوحة زيتية على القماش، أبعادها 117 × 90 سنتيمترًا، محفوظة في المعرض الوطني بفيكتوريا في مدينة ملبورن الأسترالية. وقد عُرضت في صالون باريس عام 1865، قبل أن تصل إلى مقتنيات المعرض هديةً من غوستاف كورسييه عام 1872.
تستند اللوحة إلى حكاية سايكي، الفتاة الفانية التي اشتهرت بجمالها، فغارت منها فينوس، إلهة الحب والجمال في الميثولوجيا الرومانية، المعروفة باسم أفروديت في الميثولوجيا الإغريقية. وضمن المحن التي فرضتها عليها، كلفتها النزول إلى العالم السفلي للحصول على جزء من جمال برسيفوني، زوجة هاديس، حاكم مملكة الموتى.
في المشهد الذي اختاره هيليماخر، تعبر سايكي نهر ستيكس، أحد الأنهار الأسطورية المرتبطة بالعالم السفلي، على متن قارب يقوده خارون، الملاح الذي ينقل أرواح الموتى إلى مملكة هاديس. وعلى الجانب الأيمن من اللوحة يظهر سيربيروس، الكلب ذي الرؤوس الثلاثة الذي يحرس أبواب العالم السفلي، ويمنع المغادرين من اجتياز حدوده. وتعرف سايكي، وفق الحكاية، أن عليها تقديم كعكة صغيرة إليه كي تتمكن من العودة إلى عالم الأحياء.
لا يختار الفنان لحظة الوصول إلى الغاية، بل لحظة العبور نفسها، حيث تتخذ الرحلة طابعًا استثنائيًا، ويتحول القارب إلى مساحة فاصلة بين عالمين. فالماء والظلال والشخصيات المحيطة بسايكي تشارك في بناء المشهد الدرامي، وتمنح الحكاية إحساسًا بالخطر والترقب. ولا تبدو الشخصية في هذه الرحلة مجرد بطلة أسطورية، بل إنسانة تواجه اختبارًا يتطلب منها الصبر والشجاعة وضبط رغباتها.
وتنبع أهمية اللوحة من قدرة الفنان على تقديم الحكاية القديمة ضمن صياغة أكاديمية تهتم بتوزيع الشخصيات والحركة والعلاقات داخل المشهد. فالأسطورة هنا ليست خلفية زخرفية، وإنما أساس لبناء سرد بصري يجعل المشاهد يتتبع الرحلة ويتساءل عما ينتظر سايكي بعد عبور النهر.
كما أن اختيار العالم السفلي يمنح العمل بعدًا رمزيًا يتجاوز تفاصيل الحكاية. فالعبور إلى المجهول، ومواجهة الحراس، والسعي إلى اجتياز المحنة، عناصر تلامس تجارب الإنسان في مختلف الأزمنة. ومع أن اللوحة تستند إلى عالم الآلهة والأبطال الأسطوريين، فإن جوهرها يرتبط بمواجهة الخوف والاستمرار في الطريق رغم المخاطر.
وقد مثّل هذا النوع من الرسم جانبًا مهمًا من الفن الأكاديمي الأوروبي في القرن التاسع عشر، حين احتفظت الموضوعات التاريخية والأسطورية بمكانة بارزة في الصالونات الفنية. وفي عمل هيليماخر، تلتقي الحكاية الموروثة مع التكوين التشكيلي لتصبح الصورة وسيلة لاستعادة الأسطورة وإبقائها حاضرة في الذاكرة الثقافية.
إن «سايكي في العالم السفلي» ليست لوحة عن الموت وحده، بل عن رحلة تخوضها الشخصية في سبيل إتمام مهمتها، وعن الحدود التي ينبغي اجتيازها للوصول إلى الغاية. ومن خلال استحضار هذه اللحظة الأسطورية، يقدم هيليماخر عملًا يجمع بين السرد التاريخي والخيال، ويكشف كيف استطاع الفنانون تحويل الحكايات القديمة إلى صور تحتفظ بقدرتها على إثارة التأمل، حتى بعد مرور أكثر من قرن ونصف على إنجازه
#جيل لن يتكرر من فنانين مبدعين#مجلة ايليت فوتو ارت


